مكافحة الفساد: الدولة والمواطن وجها لوجه

قرأت مؤخرا مقالا للأستاذ عدنان بدر عنوانه "إصلاح القطاع العام .. بإصلاح الدولة التي تملكه" ولمست فيه محاولة للنظر بموضوعية إلى واقع الطروحات الاقتصادية العربية. يطرح الأستاذ عدنان في مقاله موضوعة أساسية، وهي أن مشاكل القطاع العام في الدول التي يتحدث عنها المقال تكمن أساسا في الدولة التي تملكه، ويقول الأستاذ بدر

إن خلل القطاع العام، يكمن خارجه تماما.. إنه في الدولة التي تملكه.. فهي إما أن تكون دولة ممثلة للشعب تمثيلا حقيقيا، فيصبح القطاع العام ملكا للشعب بالفعل، وإما أن تكون دولة فئة ما أو شريحة ما، فيصبح القطاع العام مزرعة لهذه الفئة أو لتلك الشريحة

أعتقد أن هذا الكلام يمثل واقع القطاع العام في الكثير من الدول، ومنها سورية، وأن الكثير مما جاء في المقال ينطبق على سورية. يذكر المقال التحالفات التي تنشأ بين بعض أثرياء القطاع الخاص، وبين الدولة، بحيث يشكلون

طبقة بيروقراطية متوحشة تزداد ثراء ووزنا وترهلا وفسادا وإفسادا...

لا شك أن هذا الكلام حقيقي، وربما ينطبق بدرجة أو أخرى على سورية مثل غيرها من الدول التي تحكم بسياسة "اشتراكية". يخلص المقال إلى أربع توصيات أساسية يعتبرها الأستاذ إطارا لصيغة قطاع عام غير قابل للفساد والإفساد. وهي بدون شك توصيات مهمة، وإن كان الكاتب يعود إلى نقطة البدء، وهو أن هذه التوصيات لا تنفع إذا لم يتم إصلاح الدولة التي تملك القطاع العام. يلاحظ في المقالة تجاهل القطاع الخاص ودوره في التنمية، وكل ما يرد ذكره هو الممارسات السلبية التي يمارسها بعض متنفذي القطاع الخاص المتحالفين مع رموز الدولة، مثل تهريب الثروات أو تكديسها، أو التركيز على المشروعات التي تحقق الربح السريع. هل هذا هو دور القطاع الخاص فعلا؟ لا أنكر أن وصف الأستاذ عدنان ينطبق على بعض رجال القطاع الخاص في سورية، ولكن هل حاول أحد أن يدرس القطاع الخاص السوري، وكيفية عمله في ظروف الدولة والقوانين السورية الحالية والسابقة؟ لنأخذ بعض الأمثلة على التجارب التي دخل فيها القطاع الخاص في سورية خلال السنوات الماضية، ولنحاول أن نفهم دوره.

 

أولا: حل مشكلة النقل الداخلي والقطري، في أوائل التسعينات: مشكلة النقل كانت أساسا احتكار شركات الدولة للخدمة. كانت شركات الدولة (ومنها النقل الداخلي، الكرنك والنقل العسكري) هي الشركات الوحيدة التي يحق لها أن تقدم هذه الخدمة. إضافة إلى ذلك، منعت الدولة استراد الآليات والباصات، وسيطرت على كراجات انطلاق الباصات الخاصة، وتحكمت في تراخيص عملها، فأصبحت الباصات القديمة التي كانت تعمل على خطوط النقل منذ حوالي عشرين عاما غير قادرة على الاستمرار في الخدمة. في أوائل التسعينات من القرن الماضي سمحت الدولة للقطاع الخاص بإنشاء شركات نقل، وباستيراد ما يلزمها من آليات تحت ضرائب عالية جدا. تحمل القطاع الخاص الضرائب الهائلة التي فرضها القانون، وكانت النتيجة حل مشكلة النقل، وخلق عشرات آلاف فرص العمل الجديدة. وأصبح عدم كفاءة شركات الدولة أمام المنافسة الشريفة واضحا للعيان، مما اضطرها إلى اللجوء إلى حركات المنافسة غير الشريفة، مثل احتكار خطوط نقل معينة بقوة القوانين والتعليمات الإدارية التي تصدرها، ومنع القطاع الخاص من العمل على هذه الخطوط (توجد أمثلة على ذلك).

ثانيا: التعليم بجميع مراحله، من الابتدائي إلى الجامعي. حتى أواخر القرن الماضي، كانت الدولة تحتكر التعليم، وكان من الصعب الحصول على ترخيص مدرسة خاصة أو معهد تعليمي. في نفس الوقت فقدت المدارس العامة ثقة المواطن، وصارت القاعدة لدى الأهالي تسجيل أبنائهم في المدارس العامة لأنها مجانية، ولأنهم ملزمون بذلك. أما من يريدون ضمان تعليم أبنائهم، فسجلوهم لدى المعاهد الخاصة إضافة إلى تسجيلهم في مدارس الدولة. وهكذا أخذ الطلب يتطور على التعليم الخاص، ودخلت السوق عدد من المعاهد أغلبها لم يكن يملك ترخيص تدريس منهاج الثانوية، ولكنه حاز ثقة الأهالي أكثر من المدارس الحكومية. وتكرر السيناريو في التعليم الجامعي، فأصبح من يريد أن يتعلم الهندسة يذهب إلى جامعات الدول القريبة (الأردن ولبنان)، ويفضل تعليمها شهادتها ذات الكلفة العالية على شهادة هندسة شبه مجانية من الجامعات السورية. ما يحصل في هذه الآونة هو استسلام الدولة أمام اتجاهات المواطنين، وفقدانها الأمل في استرجاع ثقة المواطنين بالتعليم العام، مما دفعها للسماح بترخيص مدارس وجامعات خاصة.

الأمثلة متعددة على نجاح القطاع الخاص في الحلول محل الدولة، ولكنها للأسف ليست كثيرة، فالدولة مازالت تحتكر أغلب مجالات الاستثمار، خصوصا في قطاع الخدمات بعد فشل الكثير من استثماراتها الصناعية المدعومة بقوانين احتكار أخرى. يتم احتكار الدولة للخدمات بطرق متعددة، منها التعليمات الإدارية التي تحجب منح التراخيص بدون استثناءات من الوزراء (وفق مقتضيات المصلحة العامة)، ومنها أيضا القوانين العادية التي قد تفرض أحيانا شروطا متناقضة على ترخيص أية منشأة اقتصادية جديدة، أوتضع شروطا تعجيزية لاستمرارها في العمل. ومنها أيضا تخلف خدمات البنوك وتخلف القوانين الاقتصادية.

في هذه الظروف، كيف نتوقع أن يعمل القطاع الخاص؟ من الطبيعي أن تكون استثمارات القطاع الخاص محصورة في عدد قليل من المجالات التي تسمح بها الدولة، ولكن هذا لا يعني أبدا أن القطاع الخاص السوري يتخلف عن القيام بدوره الوطني، فقد ذكرت مثالين سابقا على إسهام القطاع الخاص في حل المشاكل التي خلقتها الدولة "الوطنية" في قطاعي النقل الجماعي والتعليم، وهما قطاعات اساسيان تنفق الدولة عليهما جزءا كبيرا من موازنتها. أعتقد أننا كمواطنون مدينون لقطاعنا الخاص، فقد أنقذنا عندما خذلتنا الدولة وقطاعها العام، وأعتقد أن من واجبنا أن ندعمه بغض النظر عن حقيقة ملكيتنا للقطاع العام.

السؤال الذي يطرح نفسه هنا، إذا كان القطاع العام مزرعة للفساد والإفساد، فلماذا أتمسك به كمواطن؟ يمكنني أن أقبل التعاطي معه لأدعمه في إطار خطة لإصلاحه، ولكن إذا بقي مزرعة لفئة معينة، فالتعاطي معه يعني التعاطي مع الفئة الفاسدة، وهذا بحد ذاته ممارسة للفساد بنظر الكثيرين، وربما كان هذا هو الإفساد الذي تفرضه الدولة على المواطن حسب مصطلحات الأستاذ عدنان بدر. هل تنوي الدولة فعلا إصلاح نفسها كخطوة أولى لإصلاح القطاع الخاص، يتعلق هذا بالدولة التي نتحدث عنها. المقال الأصلي لا يتحدث عن دولة معينة، ولكن يمكن أن ندرس هذا الموضوع فعلا في كل دولة على حدة، ولنبدأ من الأقرب إلينا، من سورية.

أول خطوة لإصلاح الخلل هي تحمل المسؤولية، من المسؤول عن الفساد والإفساد في سورية؟ وفقا لكلام الأستاذ عدنان، الدولة هي المسؤولة، ولكن هل تطوع أحد في الدولة وقال: نحن مسؤولون عن الفساد والإفساد، ولذلك فنحن مستعدون لتحمل المسؤولية؟ أنا شخصيا لم أسمع إلا اتهامات فردية لأشخاص يحالون إلى المحاكم بتهم الفساد، وأغلبهم من نمط خبر نشرته الصحف المحلية يوم الاثنين 11 آب 2003 عن عامل ضبط وهو يحاول تهريب 185 باكيت دخان من أحد المعامل، أي ما قيمته راتب شهر واحد تقريبا لهذا العامل.

أعتقد أن الدولة في سورية غير جادة في مكافحة الفساد، لأنها أساسا سبب وجوده، ولذلك لا يمكن أن نطلب أو نحلم أن الدولة في سورية ستكافح الفساد. مكافحة الفساد مسؤولية المواطن السوري، وأول خطوة فيها هي مقاطعة المفسدين قدر الإمكان، وعلى رأسهم الدولة. نعم مقاطعة الدولة، ومقاطعة القطاع العام، من الآن وحتى يصبح فعلا ملكا تاما للشعب. لن نستطيع أن نقاطع كل ما تنتجه أو تديره الدولة، ولكن يمكن مقاطعة الكثير من منتجاتها وخدماتها. يمكننا مثلا أن نمتنع عن التعاطي مع وسائل الإعلام التي تملكها الدولة، مثلا أن لا نكتب في جرائدها، ولا نشتريها، ولا نتابع تلفزيونها، ولا نسمع إذاعتها. يمكننا مثلا أن نشتري الخبز من فرن خاص لا من فرن الدولة، وأن نشتري الخضار من محل جارنا، لا من صالات الدولة، ونشتري الملابس من السوق لا من مؤسسة الدولة. وهذا بالمناسبة حق لكل مواطن لا أحد يحاسب عليه، والكثيرون يمارسونه بوعي أو لأنهم يثقون بإنتاج القطاع الخاص أكثر من ثقتهم بإنتاج الدولة. وقيام المواطن بأعمال من هذا النوع سيؤدي إلى ضغط إضافي على الدولة لإصلاح ما يمكن إصلاحه قبل أن تفقد صلة أخرى بينها وبين المواطن. أما إذا أصرت الدولة على عدم الإصلاح، فلا بد أن يتقلص دورها وتأثيرها على المجتمع تدريجيا، وتتقلص بالتالي علاقة المواطن مع بؤر الفساد والإفساد في مؤسسات القطاع العام.

هل تستحق الدولة هذا الموقف؟ يستطيع القارئ أن يتذكر كيف عاملته الدولة التي تحكمه، وأن يتخذ منها موقف الند، ويعاملها بأحسن مما عاملته، وأدعوه ليركز على تحقيق هدف أساسي هو إصلاح الدولة والقطاع العام في المستقبل، دون أن ينساق خلف قصص الماضي التي قد تحوي الكثير من المشاكل والسيئات، ودون أن يخل بأي التزام عملي أو أخلاقي أو وطني يلتزم به. ويستطيع كل منا إن أراد أن يحاكم دولته التي تحكمه وفق القانون الذي يسنه في بيته الشخصي، وليس وفق قانونها، ويستطيع أن يتخذ قراره بمطلق الحرية، وبدون خوف من أحد، في طريقة تعامله مع الدولة أو فرض عقوبات اقتصادية عليها، أو حتى مقاطعتها والتعامل معها كسلطة احتلال.

الأيهم صالح

www.alayham.com

قبل نشر هذا المقال قرأه بعض المقربين لي، وكان رد فعلهم مجموعة من الاتهامات تراوحت بين التسخيف والتخوين. أنا واثق أن فكرة المقال ستصل إلى الكثيرين، وخصوصا من يشعرون بواجبهم في مكافحة الفساد في الدولة. الأيهم

لا أعتقد أن الانحياز إلى القطاع الخاص يمثل حلا، فلا يجب أن ننسى أن هذا القطاع حتى اللحظة الراهمة لا يشكل ثقلا ملموسا في رفد الموازنة العامة بسبب 1- تهربه من الضرائب. (لن نقوم بطرق هذا الموضوع لا الأسباب، ولا الأسلوب، ولا النتائج، خاصة بعد صدور القانون الجديد) 2- مساهمته في الإفساد. ولست مقتنعا أن مقاطعة القطاع العام بشكل متطرف سيقود إلى قطاع عام نظيف، لأن ما سيحصل هو زيادة المفسدين ثراءً لأن ما يريدونه تماما هو إفراغ أي جدوى اقتصادية في القطاع العام، وانتشار استثماراتهم الخاصة. لا بد من وجهة نظري دعم القطاع العام، ورفع الأصوات الداعية إلى تفعيله وتنظيفه من خلال إيجاد آلية محاسبة واضحة ونزيهة، ويمر الطريق إلى ذلك من خلال تفعيل دور المؤسسات المدنية وصولا إلى مجلس الشعب في الرقابة وتحديث القوانين، وإطلاق يد القضاء في تطبيق القوانين الموجودة أصلا، مع تشكيل تغذية راجعة لتحديثها. لقد اتبعت العديد من الدول سياسة رعاية القطاع الخاص ودعمه من منطلق أنها تمثل الشعب، وأنها أكبر قوة اقتصادية، وأنها تمتلك النظرة الشاملة، على أنها الأب الروحي له، وليست في أي حال من الأحوال تابعا له، وحققت نجاحا اقتصاديا، واجتماعيا ملفتا للنظر، وهذه ما نراه في الدول الاسكندنافية والتي تصنف رأسمالية بالمناسبة، ولكنها في نفس الوقت تملك نظام تكافل اجتماعي ملفت للنظر

أولاد محافظ درعا يقودون سيارات المحافظة والتي هي مخصصة لصالح لجان وهمية. تم ذكر هذه اللجان في الأوامر الإدارية والقرارات التي أصدرها المحافظ. وقد ذكر ضمن هذه القرارات إرسال صورة إلى كافة الجهات المعنية. لكن بعد توقيع الكتب لم يتم نشرها لأنها لن تنفذ والسيارات تستخدم للمصالح الخاصة.