أفكار من العالم الآخر 3: أهمية السياق

العالم الجديد ضاغط وسريع ولا ينتظر. لا وقت فيه لإمعان التفكير، ولا لبناء آراء سديدة مستندة إلى معلومات. من يعيشون في العالم الجديد لا يعرفون عن ما يحصل حولهم إلا ما يتم نقله لهم في دقائق أو ثوان معدودة عبر الراديو أو التلفزيون أو الإنترنت، والمثقفون بينهم يقرؤون بضع فقرات في جريدة أو مجلة، ويبنون مواقفهم بناء على ذلك. من يعدون الأخبار في وسائل الإعلام يعرفون ذلك جيدا، ويستغلونه لتحقيق هدف وسيلة الإعلام التي يعملون لديها. مهمتهم الأساسية ليست نقل الأخبار، بل توجيه مواقف من يتابعونهم بواسطة الأخبار التي ينقلونها.
أما في العالم الآخر، حيث أعيش حاليا، فهناك وقت كاف لإمعان التفكير في الأحداث المهمة، ولوضعها في سياقها. أعتقد أن وضع الأحداث في سياقها أمر بالغ الأهمية لفهم ما حصل. مثلا، عندما نسمع عن حادث غريب كأن يقود سائق شاحنة ويدهس قاصدا عددا من الأشخاص في فرنسا، يجب أن نضع هذا الحادث في سياقه، ونربطه بتصريحات الرئيس الفرنسي في اليوم السابق لهذا الحادث حين قال على التلفزيون الفرنسي: "لا يمكننا الاستمرار في فرض حالة الطوارئ، هذا أمر لا معنى له إلا أننا لم نعد جمهورية لها قانون". ثم بتصريحاته بعد الحادث ببضع ساعات: "قررت تقديم مشروع قانون لتمديد حالة الطوارئ لثلاثة أشهر أخرى". وعندما نضع هذه الأخبار كلها في سياقها سنتذكر أن الأحداث الإرهابية في باريس كانت الحجة التي استخدمها الرئيس الفرنسي لفرض حالة الطوارئ على عموم فرنسا. والسياق الأعم لهذه الأخبار هو ما يسمى الحرب على الإرهاب في العالم، وهي الحرب الافتراضية التي فرضت باسمها قوانين جديدة تقمع الحريات الفردية في العديد من الدول، ونشأت بسببها العديد من التنظيمات الإرهابية الافتراضية، ونفذت عمليات افتراضية كثيرة كانت مبررا لفرض المزيد من القوانين التي تقمع حريات الأفراد في الغرب.
عندما نضع الأحداث التي نواجهها في سوريا ضمن سياقها، سنتمكن من تطوير فهم أعمق وأدق لما يحصل عندنا ولدوافع الأطراف المشتركة به. في الحلقة السابقة من هذه السلسلة تحدثت عن العدو الذي نواجهه وسياق حربنا المستمرة معه منذ أكثر من مئة عام. وذكرت أننا لسنا وحدنا من نواجه العدو، فما نواجهه الآن هو جزء من حرب عالمية أستطيع أن أسميها الحرب العالمية الأولى في هذا القرن. إن فهمنا لمعركتنا مع العدو الذي نواجهه لا يكتمل بدون إدراك سياق الحرب التي تخوضها البشرية كلها ضد هذا العدو.
في أوائل القرن الماضي تم تقسيم الشرق الأوسط إلى دويلات، وفي أواسط القرن العشرين تم تقسيم أفريقيا إلى دويلات عديدة شهدت حروبا مستمرة في ما بينها، واستمرت عمليات التقسيم إلى آخر القرن، وبعضها مازال مستمرا إلى اليوم. وفي أواخر القرن الماضي جرت محاولة تقسيم لبنان، وتم تقسيم الاتحاد السوفييتي والعديد من دول أوروبا الشرقية، وبدأ التمهيد لتقسيم العراق وسوريا من جديد، والتحضير لتقسيم مصر وتركيا والسعودية وإيران والعديد من دول شرق أوروبا ووسط آسيا. هذه العمليات ليست سرية، بل هي عمليات علنية ووثائقها منشورة منذ بدء التخطيط لها إلى الخطط التكتيكية لتنفيذها. وفي هذه المرحلة من التاريخ يتم التقسيم تحت شعار استراتيجية الفوضى الخلاقة، أي إثارة الفوضى في الدول لتوليد فرص ثم اقتناص تلك الفرص لتحقيق الأهداف.
من العالم الآخر تبدو الفوضى الخلاقة واضحة جدا، ولذلك لا يحتاج سكان العالم الآخر إلى أي شرح لوضع الأحداث في سياقها التاريخي أو العملياتي. ولذلك أيضا تجد في العالم الآخر مواقف واضحة لا لبس فيها ضد كل العمليات التي تندرج في سياق الفوضى الخلاقة في كل مكان في العالم.