أساطير الربيع العربي: من الذي يقتل المتظاهرين السلميين؟

بعد سنتين على أحداث الفوضى الخلاقة المسماة بالربيع العربي تكشفت الكثير من الحقائق، وسقطت الكثير من الأساطير، ولكن لغزا واحدا لم يكشف حتى الآن، وما زال يحيط به الكثير من الغموض، وهو الموضوع المتعلق باطلاق النار على المتظاهرين العزل.

تزعم وسائل إعلام الفوضى الخلاقة أن الجيوش تطلق النار على الشعوب المسالمة، بالمقابل ينفي المسؤولون أي أوامر لإطلاق الرصاص الحي على المتظاهرين، ويتحدثون عن عامل ثالث غامض. ومنذ بداية عمليات الفوضى الخلاقة جرى الحديث عن دور القناصة في كل هذه العمليات، وتحدث الأخبار عن اعتقال بعضهم في تونس ثم إطلاق سراحهم، وعن اعتقال خلية كانت تخطط لإحداث الفوضى ولقتل المتظاهرين في مصر كان يرأسها محمد مرسي العياط، وهو الإرهابي الذي أصبح لاحقا رئيسا بعد هربه من السجن.

في عملية الفوضى الخلاقة في تونس لم يظهر أي دليل على أن الشرطة أطلقت النار على متظاهرين عزل، والحالة الوحيدة التي ظهرت لإطلاق النار كانت حالة هجوم مسلح على مركز شرطة يوم 06-01-2011 قام عناصر الشرطة فيه بالدفاع عن أنفسهم وقتل فيها أحد المهاجمين. وقد أظهرت الصور التي نشرت بعد رحيل بن علي أن الجيش التونسي واجه المشاغبين المسلحين بالعصي والحجارة وزجاجات المولوتوف وإطارات السيارات المحترقة بدون أن يركب المخازن في أسلحته، في حين تم تركيب هذه المخازن في صباح اليوم التالي لرحيل بن علي.

وفي عملية الفوضى الخلاقة في مصر، يوم 28-01-2011 تم إحراق كل مخافر الشرطة في القاهرة والاسكندرية وبور سعيد بدون أن تطلق الشرطة طلقة واحدة على أي متظاهر، وقد قتل العديد من ضباط الشرطة وعناصرها، وألقي بعضهم من النوافذ دون أن يطلقوا النار على المتظاهرين، وعندما تأكد وزير الداخلية أن الشرطة غير قادرة على حماية نفسها أمر جميع عناصره بالتوجه إلى أقرب ملعب لكرة القدم والتجمع هناك. ورغم ذلك تم تلفيق تهمة لحبيب العادلي بأنه أمر الشرطة بإطلاق النار على المتظاهرين، ويدور الحديث عن عدة شهداء من الثوار في هذا اليوم، لكنني لم أتمكن من توثيق المعلومات الكاملة عنهم.

وفي سوريا جرى الحديث عن إطلاق النار على المظاهرات السلمية منذ اليوم الأول لعملية الفوضى الخلاقة، وكشفت التقارير لاحقا أن مخافر الشرطة في عدة مدن تعرضت لهجوم مسلح في عدة مدن في الأسبوع الأول للعملية، واعترف العديد من إرهابيي الفوضى الخلاقة على التلفزيون بأنهم نفذوا عمليات إطلاق النار على المتظاهرين واتهام الأمن بذلك. ورغم أن المخربين أنتجوا عشرات ألوف الأفلام عن كل نقاط التظاهر في سوريا، لم يستطع أحد منهم إبراز فيلم واحد يقوم فيه أي عنصر من الأمن أو الجيش بإطلاق النار على أية مظاهرة سلمية، بل إن إحصائية يوم 24-12-2011 أجراها المخربون قالت أن هذا اليوم شهد أكبر عدد من نقاط التظاهر منذ بداية الثورة، ولم يسجل فيه إطلاق النار إلا في حالة واحدة من أصل 391 نقطة تظاهر، حيث يسمع في الفيديو عدة طلقات لا يعرف مصدرها، ولا يظهر فيه أي رجل أمن. هذه الإحصائية تبدو مهمة إذا عرفنا أن الثوار كانوا قد فجروا فرعي أمن في ذلك الصبح، وقتلوا عشرات عناصر الأمن فيهما.

ولعل أبرز حالة لإطلاق النار على المتظاهرين كانت في البحرين، وهي التي جرت في 18-02-2011، والتحليل الظاهري لهذه الحالة يترك الكثير من الأسئلة التي لا يمكن الإجابة عليها بدون معلومات دقيقة، ولكنه أيضا يفتح المجال لسيناريو العامل الثالث، أو القناصة.
في ذلك اليوم اتجه مئات المتظاهرين باتجاه نقطة للجيش البحريني على طريق دوار اللؤلؤة، وأزالوا الحواجز الحديدية التي وضعها الجيش، فقام الجيش بتحذيرهم بمكبرات الصوت، فتوقفوا ورصوا صفوفهم، ثم تابعوا التقدم باتجاه الجيش، فقام الجيش بإطلاق النار، وسقط قتيل برصاصة مباشرة في الرأس.
يوضح فيلمان مسجلان هذه الوقائع، الفيلم الأول من جهة المتظاهرين ويمكن مشاهدته كاملا بنسخته الأصلية هنا:
http://www.youtube.com/watch?v=G-4uXkbDhis
والفيلم الثاني من جهة الجيش ويمكن مشاهدة مقاطع تعرضت للمونتاج منه هنا
http://www.youtube.com/watch?v=afBh3GJ6PNo
يظهر الفيلم الثاني اثنين من عناصر الجيش يطلقون النار باتجاه الأعلى، ومن الواضح أن هذه الطلقات لا يمكن أن تصيب المتظاهرين، ولكنه لا يظهر كامل حاجز الجيش وما إذا كان هناك أحد آخر يطلق النار من جهة الجيش.
يظهر في الفيلم قائد الوحدة العسكرية وهو يحذر المتظاهرين بالميكرفون، ويبدو أنه على اتصال مباشر مع قيادته حيث يسمع وهو ينقل تقريرا لحظيا لأحد ما، ويصوره الفيلم يطلق النار من مسدسه باتجاه الأعلى ثم يشير بالتوقف في آخر لقطة من الفيلم.
إذا كان الجيش قد أطلق النار إلى الأعلى كما يبدو في الفيلم الثاني، فمن الذي أصاب الضحية في رأسه إصابة مباشرة وقاتلة؟
لا بد أن السلطات البحرينية حققت في هذا الموضوع، وأنا لا أعرف نتيجة التحقيق، ولكنني ألاحظ في الفيلم الأول الكثير من النوافذ المفتوحة في الأبراج المواجهة للمتظاهرين، خلف الجيش تماما، وإذا كان العامل الثالث، أي القناصة، موجودا في كل عمليات الفوضى الخلاقة، ألا يمكن أن يكون موجودا في البحرين أيضا؟ ألا يمكن أن يكون القناصة متواجدين خلف هذه النوافذ المفتوحة منتظرين بداية المواجهة للتدخل وإسقاط ضحية بحيث يتهم بها الجيش؟

حتى الآن هذه مجرد فرضية، ولكنني أراها فرضية منطقية بالاستناد إلى الأدلة الإعلامية المتوفرة، وبالمقارنة مع خطة عمليات الفوضى الخلاقة في الدول الأخرى، وليس لدي ما ينفيها. ولعل هذه الفرضية هي ما يفسر سحب كل وحدات الجيش من الشوارع في اليوم التالي لهذه الحادثة، والسماح للمتظاهرين بالعودة إلى دوار اللؤلؤة من جديد.
تحديث:
في 14 شباط فبراير 2015 بثت هيئة الإذاعة البريطانية BBC تقريرا عن إطلاق النار في ساحة الميدان في كييف بأوكرانيا عام 2014، وأقرت أنه في ذلك اليوم قتل 50 شخصا بينهم ثلاثة من الشرطة، والتقت مع أحد قادة المتظاهرين الذي تحدث عن اتصال هاتفي من قائد الشرطة يخبره أن الشرطة تتعرض لإطلاق نار من بناء يحتله المتظاهرون، ثم التقت مع أحد القناصة، وقد اعترف أنه أطلق النار على الشرطة، وقال التقرير أن موقعه يشرف على "الجبهة" مما يعني أنه يتمكن من قتل المتظاهرين والشرطة بنفس الوقت.
https://www.youtube.com/watch?v=Ib7EkJD08e4