سياسة امتصاص الثروة

منذ استلام الرئيس بشار الأسد للسلطة في سورية، رفعت القيادة السورية شعار "التغيير على قاعدة الاستمرار"، وأخذ الحديث يتزايد عن تغييرات وإصلاحات تمس كل نواحي المجتمع لا بد أن تظهر تدريجيا خلال الأعوام التي تلي استلام الرئيس الجديد للسلطة. والآن بدأت بوادر التغييرات تظهر وأصبحنا نلمسها شيئا فشيئا في الكثير من نواحي الحياة في سورية.
في مقالتي هذه سأركز على مجال واحد من مجالات التغيير، وهو المجال الذي يمس الشريحة الأكبر من العاملين في القطاع الخاص، أي صغار التجار والحرفيين، وهؤلاء شريحة كبيرة من مجتمعنا أعتقد أنها تبلغ أكثر من نصف مليون أسرة.
بدأت هذه الشريحة تحس بالتغيير منذ عام 1999، ففي ذلك العام لم تصدر حكومة الزعبي موازنة الدولة، وقررت الإنفاق من أوامر صرف شهرية، ولكي تستمر شركات الدولة في العمل، قامت بشراء الكثير من المواد من السوق ووعدت بالدفع لاحقا، وتأخر الدفع أكثر من عام ونصف في أغلب الحالات.
لكي ندرك أهمية هذا الوضع، لا بد من ملاحظة أن الدولة هي أهم زبون في السوق السورية، وهذا أمر طبيعي لأن شركات الدولة تحتكر أغلب الأعمال والاستثمارات، وتشتري بشكل دائم كميات كبيرة من كل أنواع المواد من السوق لتتمكن من العمل، ولذلك فالدولة محرك أساسي للسوق في سورية.

 

عندما تتوقف الدولة عن الدفع، تخسر السوق السورية أهم مصدر سيولة فيها، ويبدأ الكساد والإفلاس.
في عامي 1999 و 2000 سحبت الدولة كمية هائلة من الثروة من السوق السورية على شكل مواد من التجار أو خدمات من الحرفيين، ثم جمدت هذه الثروة لديها بدلا من أن تعيدها إلى السوق لتتم الدورة الاقتصادية. لا أعلم ماذا فعلت الدولة بثروة السوق السورية، ربما أقرضتها لتجار آخرين لتمويل مشاريع كبيرة، وربما وجهتها نحو العراق، وربما جمدتها في المصارف. ولكنني أعلم علم اليقين أن هذه الفترة كانت عصيبة جدا في السوق السورية، وكان الكثير من العاملين في القطاع الخاص يستهلكون رأس مالهم، ويبيعون معدات عملهم ليتمكنوا من الاستمرار في انتظار صرف المبالغ الهائلة المتراكمة لهم على شركات الدولة.
بعض شركات الدولة تأثرت أيضا بهذا الوضع، فأصبحت الشركات الرابحة عاجزة عن دفع رواتب موظفيها وعمالها بسبب عجزها عن تحصيل ديون قد تصل إلى مليارات الليرات مستحقة على شركات ومؤسسات الدولة الأخرى.
استفاقت السوق السورية من هذه الصدمة لتدرك أن التعامل مع الدولة غير آمن، لأن الدولة قد لا تدفع ديونها حتى لشركاتها، ولا يمكن لأحد أن يلزم شركة حكومية بالدفع. وبالنتيجة بدأت السوق السورية تتجه نحو الاستثمارات الصغيرة الموجهة للمواطنين، وتحول بعض الحرفيين والتجار إلى أصحاب مطاعم أو محلات موبايل أوصالات إنترنت أو غيرها من الاستثمارات التي راجت في العامين الماضيين.
ولكنهم لم يسلموا في اتجاههم الجديد، فقد واجهتهم الضرائب الباهظة غير المرتبطة بالدخل، مثل كلفة تركيب الهواتف، رسوم البلدية، ورسوم الترخيص من الوزارة المختصة، والرسوم المفروضة على استثمار العقارات، والضرائب الهائلة على السيارات والآليات. وهكذا تابعت الدولة امتصاص الثروة السورية المتوافرة في أيدي المواطنين.
في نفس الفترة أخذت الدولة ترفع رواتب موظفيها، فقد أصبح هذا الأمر ممكنا الآن لأن لدى الدولة سيولة كبيرة. ولكن مهما كانت هذه السيولة، لا بد أن تنفذ، ولذلك لا بد من مصادر دخل تغطي الزيادة لاحقا، ولذلك لجأت الدولة إلى رفع أسعار بعض الخدمات الأساسية، وأدى هذا إلى ضغط إضافي على القطاع الخاص، فالموظف الذي زاد راتبه لم يتأثر كثيرا بزيادة سعر البنزين، أما سائق التاكسي، فقد أصبح يخسر حوالي مئة ليرة سورية من دخله الصافي يوميا، أي حوالي ثلاثة آلاف ليرة شهريا، يدفعا إلى محطة الوقود لتدفعها بدورها إلى الدولة.
أضيف إلى هذا الأسعار الهائلة التي فرضتها الدولة على شركات الاتصالات الخليوية، والتي أدت إلى امتصاص كمية هائلة من سيولة المواطنين ذهب نصفها تقريبا إلى مؤسسة الاتصالات، وتحول جزء مهم مما تبقى منها إلى إعلانات تتقاضى الدولة عليها ضرائب باهظة.
أدى الكساد الذي عاشته السوق خلال العامين 1999-2000 إلى تخفيض أسعار منتجات وخدمات القطاع الخاص، وترافق هذا مع زيادة أسعار بعض الخدمات، وظهور احتياجات جديدة مثل الهاتف الجوال والإنترنت لم تكن مطروحة من قبل، ولكنها ساهمت في امتصاص جزء من ثروة المواطنين وخفضت قدرتهم الشرائية، كما ساهمت في زيادة تكاليف العمل والتشغيل. وازدادت التكاليف أيضا مع رفع رواتب الموظفين، مما أجبر القطاع الخاص على رفع رواتب موظفيه.
وتعرضت السوق السورية إلى هزة هائلة بسبب قانون الإيجار الجديد، فقد أصبح تأجير عقار للسكن أفضل للمؤجر من تأجير عقار بقصد العمل التجاري الذي يعرض صاحب العقار إلى خطر عدم القدرة على استرداد عقاره عند الحاجة، فارتفعت أجور الإيجار التجاري بشكل هائل، ولجأ الكثير من أصحاب العقارات إلى تأجير المكاتب والعيادات بعقود سكنية لا يمكن الترخيص فيها لمزاولة أية مهنة، وهكذا أصبح صعبا الحصول على عقار لتأسيس عمل خاص بدون المغامرة بكسر القانون.
ومؤخرا وجهت الدولة شركاتها لتقليص الإنفاق، مما سيؤدي إلى خسارة السوق السورية لربع السيولة القادمة من شركات الدولة، وفي نفس الوقت تخطط شركة الاتصالات لرفع أسعارها عن طريق تغيير طريقة التسعير، مما سيؤدي إلى زيادة الأعباء على المواطنين، وعلى القطاع الخاص لأن أصحابه مواطنون، ولأن الدولة ستمتص مبالغ من المواطنين كان يمكن أن تدخل في دورته الاقتصادية.
خلال كل الفترة الماضية، وأثناء عملية الضغط المستمر على السوق السورية، كان الاعلام السوري يتحدث عن تنشيط القطاع الخاص، وعن برامج خاصة لدعم إنشاء المشاريع الجديدة. وعن محاولات جذب استثمارات من الخارج، ومن المغتربين السوريين. وتم ربط هذه النشاطات بأسماء وزراء معروفين بالرصانة ويحظون باحترام الشارع السوري أمثال الدكتور عصام الزعيم. ولكن للأسف لم يتحقق تنشيط القطاع الخاص، بل بالعكس، قامت الدولة بلف أنشوطة محكمة حول عنقه، ولم يبق الكثير لإعدامه.
إلى أن حد ستمضي الحكومة في هذه السياسة؟ أعتقد أنه لا أحد يستطيع أن يردعها أو يحاسبها، ولذلك على كل العاملين في القطاع الخاص الاستعداد للمزيد من امتصاص ثروتهم، ووضع خطط جدية للتقشف وضغط النفقات، والبحث عن أسواق جديدة للخدمات والمنتجات التي يقدمونها.
لن يكون الوضع على درجة عالية من السوء، لأن وضع السوق السورية لا يشجع على دخول استثمارات جديدة، ولأن سياسة الحكومة في امتصاص الثروة ستجعل إنشاء مشاريع جديدة أمرا صعبا وباهظ التكاليف. صحيح أن النمو صعب جدا بسبب ضعف السوق، ولكن الزيادة السكانية الهائلة في سورية تزيد الطلب باستمرار رغم انخفاض قدرة السوق على الدفع، ولذلك يتم تعويض انخفاض الأرباح وارتفاع التكاليف من زيادة حجم السوق المحلية بنتيجة النمو السكاني الطبيعي. ولذلك فالسوق السورية مازالت قادرة على التنفس.
لا يستطيع الكل البقاء في هذه الظروف، ولكي يضمن التاجر أو الحرفي السوري القدرة على الاستمرار في العمل، لا بد من أن يعي واقعه الحقيقي بعيدا عن الأوهام التي تروجها أجهزة الإعلام السورية، ويضع الخطط الضرورية للاستجابة لمتطلباته معتمدا على نفسه بشكل أساسي، وعلى الخبرة المتراكمة لديه في التعامل مع السلطة التنفيذية وقوانينها.