أفكار من العالم الآخر 2: من هو العدو

لا شيء يثير قرفي من العالم الجديد في سوريا أكثر من صورة العدو التي يتم ضخها فيه. نعم السوريون يخوضون حربا شرسة، ولكن ضد من؟ من هو العدو الحقيقي الذي نحاربه؟ ومتى بدأت حربنا معه؟ وكيف نستطيع أن نهزمه؟

من العالم الآخر يبدو العدو واضحا، فهو من يثير الحرب ويجند ويدرب ويسلح ويمول القتلة الذين يدعي أنهم يحاربون لأهداف دينية أو سياسية. العدو هو من يمول الحملات الإعلامية التي تقنع ناشطي العالم الجديد أن الحرب طائفية أو سياسية. ولكن بالنسبة لمثقفي العالم الجديد، فالعدو هو إما شخص لا يتفق معهم بالرأي، أو إيديولوجيا مختلفة عن أيديولوجيتهم. ومصدر معلوماتهم عن العدو هو إعلام العدو نفسه. العدو يقول لهم: هذا عدوكم، فيقولون: هذا عدونا. العدو يقول لهم: هذا ما يريده عدوكم، فيقولون: هذا ما يريده عدونا. وأقرف ما في الأمر أنهم لا يخجلون من قول إن مصدر معلوماتهم عن العدو هو بروباغاندا العدو نفسه.

من النادر أن تجد بين مثقفي العالم الجديد من يفهم دور اللوبي الصهيوني في تخطيط وتمويل الحرب، ودور منظمات وزارة الخارجية الأمريكية والمخابرات المركزية الأمريكية في تجنيد المقاتلين وفي توزيع التمويل عليهم، ودور وزارة الدفاع الأمريكية في توجيه الأحداث وتحديد الأهداف العملياتية. مثقفو العالم الجديد في سوريا يعرفون عن الشخصيات الخرافية التي يسميها الإعلام بغدادي أو جولاني أكثر مما يعرفون عن الإرهابيين الحقيقيين مثل أوباما وماكين وكيري وكلينتون وكارتر وباتريوس وأشكالهم.

ألاحظ هنا أن هذا الوضع لا ينطبق على المواطن السوري العادي الذي لا يتابع بروباغاندا العالم الجديد. ولا ينطبق على من يحاربون العدو على الأرض فعلا ويعرفونه جيدا. جيشنا لا يعتبر كل من يواجههم أعداء، بل يعرض عليهم الصلح وإلقاء أسلحتهم والرحيل عن مواقعهم، ولا يحاربهم إلا إذا فرضوا الحرب عليه. جيشنا يعرف أن هؤلاء مجرد أدوات صغيرة بيد مخطط أكبر بكثير. أنا متأكد أن جيشنا يعرف العدو جيدا ويعرف طريقة مواجهته، ولذلك فأنا لا أستطيع أن أنظّر على الجيش وأشرح له عمله كما يفعل مثقفو العالم الجديد.

لكي يدرك مثقفو العالم الجديد حقيقة العدو الذي نواجهه، عليهم أن ينشطوا ذاكرتهم قليلا. الكثيرون منهم يستطيعون أن يتذكروا الحملة الإعلامية الشنيعة ضد سوريا في عام 2006، ثم الغزو الإسرائيلي للبنان، أيامها لم نكن نواجه داعش أو النصرة أو الخونجة، ولكننا كنا نواجه نفس العدو الذي نواجهه اليوم. وقبلها في عام 2003 واجهنا نفس العدو وكنا على وشك الاشتباك معه. عمليا نحن نواجه هذا العدو منذ أوائل القرن الماضي، معركتنا مستمرة منذ أكثر من مئة عام معه، لقد حارب آباؤنا وأجدادنا نفس العدو، ورغم أنني أعتقد أن أجدادنا فوتوا فرصة لن تتكرر لعقد تحالفات تاريخية عندما ضعف العدو وانقسم على نفسه في الحرب العالمية الثانية، فأنا أعتقد أن مسار الأحداث كان مفروضا علينا منذ ذلك الوقت كما هو مفروض علينا اليوم. 

لكي يدرك مثقفو العالم الجديد حقيقة العدو عليهم أيضا أن يقتلعوا كل ما غرسه إعلام العالم الجديد في ضميرهم ووجدانهم من ترهات وسموم فكرية. عليهم مثلا أن ينسوا الشخصيات الخرافية مثل البغدادي والجولاني، والتنظيمات الافتراضية مثل داعش والنصرة، والمفاهيم المختلقة مثل الحرب الطائفية وموضوعية الإعلام، باختصار، عليهم أن يتخلصوا من إدمان بول البعير الإعلامي.

من ينتقل من مثقفي العالم الجديد إلى العالم الآخر سيدرك أن جيشنا لا يواجه ثلة من الناجين من موقعة الجمل، بل يواجه أعتى جيش مرتزقة تم تجنيده في التاريخ، وأن قيادة جيش عدونا العملياتية ليست ثلة من متعاطي بول البعير، بل هم ثلة من كبار قادة شركات المرتزقة في العالم، وأن تمويل عدونا ليس من الجزية، بل من دافعي الضرائب في أمريكا وأوروبا. وأن قادة عدونا السياسيين يعملون في كبار المنظمات الدولية، وأن معركتنا مع هذا العدو هي جزء من دفاع البشرية عن حقها في الوجود ضد عصابة متنفذة ترى مصلحتها في نشر الفوضى والحروب في العالم كله، وليس في سوريا فقط.