أفكار من العالم الآخر 6: خدعة الموضوعية

لدى الكثيرين من الناس اعتقادات خاصة بهم، واعتقادات بعض الناس متجذرة في أعماقهم ولها قدرة هائلة على تشكيل فهمهم لما يحيط بهم وتوجيه سلوكهم وتفاعلهم مع العالم. مثلا بعض الناس يعتقدون بوجود مخلوقات خرافية بها قوى خارقة، وتطلب منهم أداء مهام محددة أو عامة لسبب ما، وهم ينفذون هذه المهام بقناعة تامة تجعل من الصعب على من لا يعتقد بنفس الاعتقادات تفهم ذلك.

وفي العالم الجديد تنتشر مختلف أنواع الاعتقادات التي لا أساس لها في الواقع. أصلا تصمم المواد الإعلامية لتغرس أو تعزز اعتقادات محددة في عقول من يتلقونها، ولتوجه مواقفهم، وبالتالي سلوكهم، تجاه ما يحصل حولهم.

لاحظت ذلك مرات كثيرة في السنوات الأخيرة، حتى قبل أن أنتقل إلى العالم الآخر. وبالتحديد خلال حواراتي مع أشخاص يدعون أنهم عاشوا تجارب صعبة، مثل حوار سابق على فيسبوك مع إعلامي سوري كان ناشطا في دعم الغزو الإرهابي منذ أيامه الأولى، وادعى ان الأمن السوري قتل ابن عمه وهو يقف بجانبه في تظاهرة سلمية في القابون

في حواراتي السابقة كنت أحاول الخوض في التفاصيل لأعرف أكثر عن الحقيقة، فأكتشف مثلا أنه في كل قصص إطلاق النار أو القتل التي يرويها أنصار الإرهابيين عن الأيام الأولى للغزو الإرهابي لسوريا، لا يعرف أحد من الذي أطلق النار وأصاب الضحايا، هم يعرفون أنه حصل إطلاق نار ووقع ضحايا، ويحملون المسؤولية للأمن أو للدولة رغم أنه لا يوجد أي دليل على أن من أطلق النار هم من الدولة، ورغم أنني أطلقت تحديا علنيا لإبراز مقطع فيديو واحد يثبت إطلاق النار من قبل الدولة على مظاهرة سلمية، ومازال هذا التحدي قائما حتى الآن، ورغم أنه توجد أدلة مناقضة على أن عناصر الأمن تعرضوا أيضا لإطلاق نار، وتوجد أدلة واعترافات على وجود أشخاص يطلقون النار على الطرفين. بالنسبة لبعض الناس الدولة مسؤولة عن كل ما حصل حتى لو لم تكن هي السبب، هؤلاء مقتنعون أن الدولة هي من كان يفجر السيارات المفخخة بالناس وبفروع الأمن رغم أن الإرهابيين قد تبنوا العمليات علنا. الكثيرون منهم مقتنعون تماما بأن عدوهم الرئيسي هو الدولة السورية، ولا أحد يستطيع أن يغير هذه القناعة لديهم. ومهما كانت الوقائع مناقضة لرؤيتهم للعالم حسب رؤيتي، فنفس الوقائع تعزز لديهم رؤيتهم الخاصة للعالم.

كيف يفهم شخصان نفس الأحداث بطريقتين مختلفتين. برأيي أن الفرق الأساسي بين فهم الأشخاص للعالم هو في المسلمات الأساسية التي ينطلقون منها في تفكيرهم. اختلاف المسلمات يؤدي إلى نتائج مختلفة للتفكير، مما يؤدي بالتالي إلى فهم مختلف للأحداث والوقائع في كل عالم على حدة. ولذلك فرغم أنني أشهد نفس الأحداث التي يشهدها جاري أو صديقي أو شخص ألتقيه صدفة، فهمي للأحداث مختلف تماما عن فهمهم لأنني لا أنطلق في تفكيري من نفس المسلمات التي ينطلق فيها هو.

هذا الاختلاف في فهم العالم ليس فريدا، وهو برأيي أمر طبيعي، ويمكن أن نقارنه بالاختلاف بين الهندسات الاقليدية واللاإقليدية في نمذجة الفضاء الذي نعيش فيه. وهو اختلاف ينبع من التعديل في أحد المصادر الرئيسية للمعلومات عن الفضاء، وهي المسلمة الخامسة لإقليدس. كان اقليدس قد بنى أسس علم الهندسة على 23 تعريفا، 5 بديهيات، و5 مسلمات. ومسلمته الخامسة تكافئ أن المستقيمات المتوازية لا تلتقي في المستوي. في القرن التاسع عشر قام لوباتشوفسكي وريمان بتغيير المسلمة الخامسة فقط، وتوصلا إلى هندسات جديدة مختلفة عن هندسة اقليدس. في فضاء اقليدس لا تلتقي المستقيمات المتوازية في المستوي، وفي هندستي لوباتشوفسكي وريمان فالمستقيمات المتوازية تلتقي في نقطتين أو نقطة. إن تغيير مسلمة واحدة في الهندسة يؤدي إلى شكل مختلف للعالم، وبحسب تعريف العلم، فللهندسات الثلاث نفس مستوى الصحة، وهناك حاليا براهين مقبولة على تكافؤ الهندسات الثلاث، بحيث أن إثبات خطأ أي منها يعني تلقائيا إثبات خطأ البقية.

الانطلاق بالتفكير من مسلمات مختلفة يؤدي إلى فهم مختلف كليا لما يحصل حولنا. هذا صحيح في الرياضيات التجريدية وهو أيضا صحيح في الحياة العملية. لنأخذ موضوع الدين مثلا، فالمسلمات الدينية بوجود إله واحد أو آلهة متعددة تقود من يعتقدون بها إلى طرق مختلفة لفهم العالم، والتسليم بعدم وجود إله أو بعدم إمكانية التأكد من وجود إله أو عدم وجود إله ستقود إلى طرق مختلفة لفهم العالم. والفرق بين هذه الطرق لفهم العالم يكمن في المسلمات الأساسية التي يعتمد عليها التفكير في كل طريقة من هذه الطرق.

وفي نظرتنا للواقع نحن ننطلق من مسلمات خاصة بنا، وفهم أي شخص للواقع يعتمد على المسلمات التي ينطلق منها للتفكير بالواقع. ينطبق هذا عليّ وعلى القارئ وعلى كل شخص. مسلماتنا التي نعتمد عليها في تفكيرنا تحدد فهمنا للعالم وبالتالي النتائج التي سيخلص لها أي تفكير، وتغيير مسلمة واحدة سيؤدي إلى نتائج مختلفة عند مواجهة حدث ما والتفكير في ماهيته.

إضافة لذلك، فمنظومة تفكيري تنطلق من تسليمي بمبدأ هايزنبيرغ للشك الذي يقول في أحد صياغاته البسيطة: لا يمكنك أن تعرف حالة منظومة دون أن تغير هذه الحالة. يقودني هذا المبدأ لمعرفة حدود العلم التجريبي، وبالتالي يمنع من تعميم نتائج تجربة محددة على التجارب الأخرى. وعندما أطبق هذا المبدأ في تعاملي مع الأخبار، لا يمكنني أن أقبل أي خبر كما هو، فمبدأ الشك ينقض كل ما يقال عن موضوعية الإعلام وحياديته، بغض النظر عن دوافع الإعلاميين وانخراطهم في مخططات الهندسة الاجتماعية.

بعد أن أدركت هذه الأفكار لم تعد التفاصيل مهمة في حواراتي، وخصوصا الحوارات التي أواجه فيها أشخاصا عاطفيين يندفعون للحوار بعواطفهم أكثر من الحوار بعقولهم. ما أركز عليه هو العموميات، التفاصيل كلها غير واضحة وما هو معروف عنها معرض للشك وللتشويه، ولا يمكن أن تجد أية معلومات يقال إنها موضوعية عن أي شيء. أصلا الموضوعية في الإعلام مجرد كذبة من كذبات الإعلام مثل الحيادية ومثل الكذبة الكبرى عن دور الإعلام أو مهمته في المجتمع.

ألاحظ هنا أنني أتحدث عن التفكير السليم الخالي من العيوب المنطقية، أي الانطلاق من مقدمات صحيحة للوصول إلى نتائج صحيحة بطريقة صحيحة منطقيا. أفكاري هذه لا تنطبق على التفكير غير السليم، أي التفكير الذي يعتمد على مقدمات مغلوطة أو الذي يعتمد على مغالطات منطقية أو أي تفكير لا يخضع لقواعد المنطق. وأنا بصراحة لا أفهم الكثير عن ذلك النوع من التفكير، ولست معنيا بمناقشة من يعتمدونه.

وفي حواراتي الجديدة أصبحت ألاحظ أنني أستطيع الاتفاق مع الآخرين على المبادئ العامة دون الدخول في التفاصيل. وهذا بالنسبة لي أمر كاف، فمن يحرص على أن يكون تفكيره سليما سيبذل كل الجهد لتنقية أفكاره ومنهجه العلمي من الأخطاء، ولذلك فمسؤولية تحليل التفاصيل ونقدها تقع على عاتق كل شخص بنفسه، ولا يستطيع الحوار ان يساعد فيها كثيرا، وخصوصا في المواضيع المثيرة للعواطف.

وبناء على بعض التجارب في هذا المجال، وجدت أن من السهل الاتفاق على عدم موضوعية أي إعلام مع أي شخص أحاوره، ويبقى على كل منا تنقية ما يعرفه من مخلفات الإعلام غير الموضوعي، وهذا ما أبذل جهدي لتحقيقه في تفكيري الشخصي.

الأيهم صالح