الجداااااااااار

لفت نظري في نشرة تصدرها جمعية شبابية مقال لإحدى الصبايا عنوانها: “إلى متى أيتها الجدران؟!”. شدني في البدء العنوان، ثم شدتني الفكرة والطريقة التي عبرت بها الصبية عما يجيش في صدرها، وهي تتناول هذا الموضوع بمنتهى البساطة والعفوية. تنطلق كاتبة المقال، أو الخاطرة، من بناء جدار الفصل العنصري، الذي شيدته “إسرائيل” لمحاصرة الشعب الفلسطيني وعزله، لتتناول فكرة الجدار نفسها، بوصفه وسيلة عزل، بوصفه نقيضا لفكرة الجسر، إذا كانت الجسور تصل بين الأماكن والجزر والأطراف والاشخاص، فإن الجدار يقيم مصداً وعازلاً بين اشكال التواصل.



“هناك ألف جدار وجدار يبنى بيننا نحن.. بيننا وبين أنفسنا، بيننا وبين كل ما يحيط بنا”.. هكذا تقول الصبية. وتقول ايضا: “يكفي ان تذهب الى أي تجمع لترى ان كل فئة تحيط نفسها بجدار عن زميلتها الفئة الأخرى التي تعارضها الرأي”. وتصل الى ما يشبه النتيجة الحاسمة: “لنقضِ على “اسرائيل” الموجودة بيننا لنستطيع القضاء على “اسرائيل” الأخرى”.



في هذا السياق أذكر ان الباحث بدر عبدالملك وضع دراسة مطولة موثقة عن الجدار، تقصى فيها فكرة الجدران عبر التاريخ ودرس نماذج عديدة لها، بما فيها نماذج قائمة في عالم اليوم، وبينها جدران وهمية لم تبن بالاسمنت والحجر، إنما على شكل خطوط تماس أو خطوط فاصلة بين أجزاء دول وبين شعوب وجدت نفسها تنشطر الى شطرين أو تنقسم الى قسمين بفعل تنازع الهويات والديانات والثقافات والانحدارات العرقية أو بسبب تدخلات خارجية. وهي دراسة جديرة بالقراءة والاطلاع والعودة اليها بين الحين والآخر لنرى ما الذي يمكن لل “الهويات القاتلة” ان تفعله بين البشر. و”الهويات القاتلة” هي الدراسة المعمقة التي وضعها الروائي امين معلوف محللا فيها بعمق جذور الحروب والفتن والمذابح التي يشهدها عالم اليوم، حين يعجز البشر عن جعل اختلافاتهم مصدرا للتنوع والثراء والتعددية الثقافية، فيحولونها الى اقتتال ودماء وحواجز ودشم وجدران وخطوط تماس.



وأعود الى الفكرة العميقة التي اطلقتها الصبية عن تلك الجدران التي نحيط بها انفسنا في محيط حياتنا اليومية، حتى نتخندق في صدفات ضيقة بالكاد تتسع لأحجامنا فلا نعود نرى الآخر أو نبصر ما فيه من مناطق جمال وطيبة، حتى نحول من الصغائر والتوافه والعابر من الأمور سبباً لتشييد جدران العزلة والكراهية والحسد، ما احرانا بالتأمل في الفكرة الداعية الى هدم وإزالة تلك الجسور التي لا تُرى والتي تنشأ في دواخل النفوس فتجعل من الواحد منا أنانيا وعدوانيا، وتكبح ما في هذه الدواخل من ميل فطري الى التسامح والتفاعل مع الآخرين، كفيل بأن يؤسس لثقافة الحوار، التي تنقصنا كأفراد وتنقصنا كجماعات وتنقصنا كشعوب وكأمم، وشروط أي حوار هو قبول الآخر وقبول فكرة التعايش معه. في كلمات موجزة، قبول التعددية بصفتها من طبيعة الأشياء ومن سنن الحياة.

دعوة للمشاركة

موقع الأيهم صالح يرحب بالمشاركات والتعليقات ويدعو القراء الراغبين بالمشاركة إلى فتح حساب في الموقع أو تسجيل الدخول إلى حسابهم. المزيد من المعلومات متاح في صفحة المجتمع.