بوش و حماس .......... في عيون شعباهما !

إنها لحالة نادرة في تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية المعاصر أن تصل فيها شعبية رئيس من رؤسائها إلى أدنى من الثلث .
أي أن أكثر من سبعين بالمائة من الناخبين الأمريكيين غير راضين و مقتنعين بالأداء الخارجي و الداخلي للرئيس الأمريكي جورج بوش و إداراته المتلاحقة و المتخبطة !
ويأتي على رأس هذا الأداء , الأسباب و المسوغات لشن حربه الجائرة على العراق عبر الأباطيل التي ساقها إلى عقول الشعب الأمريكي و العالم ومن ثم إلى الهيئات الدولية لتبرير الغزو و الاحتلال.
إلا أن السنوات الثلاث الماضية من عمر الغزو و الاحتلال كانت كفيلة بفضح و فشل الأهداف التي نادى بها الرئيس الأمريكي جورج بوش وعلى رأسها يأتي شعار " الحرية "!
ها هي الأخبار تأتينا يومياًً ومنذ اليوم الأول لفكرة الغزو الذي قاده جورج بوش منفرداً بإرادة من بول وولفوويتز و ريتشارد بيرل و دوغلاس فيث و غيرهم من المحافظين الجدد الذين لم يعد يخفى على أحد الأهداف التي يسعى إليها هؤلاء في إقحام الولايات المتحدة الأمريكية بشكل مباشر عبر جيوشها في معارك أشبه ما تكون بالواقع الافتراضي الذي لا يتحقق إلا في الحواسيب !
فكل البيانات الحقيقية و ليست الافتراضية على أرض العراق تؤكد أن فكرة الذهاب إلى العراق و من ثم البقاء فيه كانت خطأ سياسياً و عسكرياً و اقتصادياً فادحاً . هذا ما أكده كبار المحللين منذ بداية الغزو بل وقبله أيضاً . أما أن يأتينا اليوم الاعتراف بهذا الخطأ من أهل بيت الإدارة الأمريكية فهذا يستحق فعلاً التأمل و إجراء حسبة بسيطة حول الخطورة التي تكتنفها قرارات الإدارة الأمريكية الحالية في التعامل مع قضايا المنطقة و العالم عبر إطلاقها الدائم لشعار " الحرية الافتراضية ".
ذكرني هذا الأمر بفيلم من إنتاج أمريكي أيضاً يحكي قصة رجل طبيعي تعرض لحادث سير مروع كانت نتيجته أن بقي هذا الفتى لمدة خمس سنوات بحالة الغيبوبة عن الوعي إلى أن استفاق أخيراً من سباته . حينها
اكتشف أنه خسر وظيفته و خطيبته و ساقه واكتشف أيضاً أنه امتلك عوضاً عن ذلك كله موهبة خاصة وحدساً خاصاً يقوده دائماً إلى قراءة المستقبل ! .
إذ يقوده حدسه هذا في النهاية إلى اتخاذ قرار نهائي باغتيال أحد مرشحي ولايته إلى رئاسة الولايات المتحدة الأمريكية لأنه يرى أن هذا الرجل_ إن حصل وانتُخب _ سيكون سبباً في نشوب حرب كونية نووية ستدمر العالم !.
يذهب إلى مكان انعقاد الحفل الخطابي لهذا المرشح ومعه بندقيته . ومع دخول المرشح إلى القاعة , يصوب البطل فوهة البندقية إلى صدر الرئيس المفترض ويطلق عليه النار ولكنه لا يوفق في إصابته . عندها يعمد الرئيس المفترض إلى اختطاف طفلة صغيرة من حضن أمها ويجعلها متراساً بشرياً يحميه من طلقات القناص!
يتحرك أحد حراس الرئيس المفترض بإطلاق النار من مسدسه على بطلنا الذي يصاب ويخر على الأرض شبه ميت ! . وفي لحظة الاحتضار , يشاهد البطل بحدسه المستقبل مرة أخرى عبر صور ومشاهد لصحف اليوم التالي التي تبرز في صدر صفحتها الأولى صورة للرئيس المفترض و هو يشرع بذراعيه عالياً طفلة لها من العمر السنة الواحدة و يتخذها متراساً بشرياً يحميه من طلقات القناص!
ثم يشاهد البطل قراءة ثانية وتاليه لهذا المشهد . إذ يرى الرئيس الافتراضي في غرفته بمنزله وقد أصابه اليأس بشكل كبير بسبب انكشاف جبنه و ريائه أمام الناخب الذي رأى في هذا المرشح حلم الرئيس الأمريكي الشجاع و القادر على تحقيق الأماني و المتطلبات.
لذلك يقرر هذا الرئيس الانتحار بإطلاق النار على نفسه من مسدسه فيخر صريعاً . عندها يغمض البطل عينيه بارتياح بعد أن تأكد من أن الأيام القليلة القادمة ستتكفل بإعلان خبر انتحار المرشح للرئاسة !!
هكذا جنب البطل و شعبه ووطنه والعالم خطر مجيء رجل إلى البيت الأبيض الأمريكي عبر حملات انتخابية عمياء يكون فيها للمال الاتنخابي الدور الأول في تلميع صورة المرشح بالرغم من كونها قاتمة في كثير من الأحيان .
إن فكرة الفيلم قائمة على مخيلة واقعية يمكن لها أن تتكرر في الولايات المتحدة الأمريكية أو في أي بلد آخر . غير أن للأمر خصوصيته في الولايات المتحدة الأمريكية لما تملكه من سلطة وقوة نووية لها قدرة تدميرية هائلة !!
لقد قاد الحدس الكبير بطلنا إلى التعرف على النوايا والأحداث المستقبلية والخطط الخفيه لمرشح الرئاسة الافتراضي . ولكن الحقيقة تقول عكس ذلك . فغالبية الشعب الأمريكي وشعوب البلدان الأخرى لا تملك الحس و الحدس القوي كما أمتلكه بطل الفيلم لمعرفة المستقبل لذلك يبقى وجود الرئيس الأمريكي في البيت الأبيض ليس رهناً لحدس المواطن الأمريكي في قراءة المستقبل كما شاهده بطل الفيلم بل رهناً للحملات الانتخابية و رهناً للإرادات الأخرى في قيادة دفة القرار الأمريكي وخصوصاً في القرارات الصعبة و المفترقات السياسية البالغة الدقة !!
ها هي إدارة الحرب الأمريكية تقذف بالشباب الأمريكي إلى ساحات المعارك المفترضة هنا و هناك التي لم تؤخذ فيها اعتبارات وعوامل أخرى ورئيسية أثرت بشكل واضح على مجريات المعارك السياسية و العسكرية في العراق!
أما في فلسطين , فقد فازت حماس بأكثر من ثلثي أصوات الناخب الفلسطيني . أي أن أكثر من سبعين بالمائة قالوا نعم لحماس و لبرنامجها الكفاحي و الإصلاحي و السياسي .
لقد استبقت الرباعية الدولية افتراضياً فوز حماس بالانتخابات الحكومية بفلسطين بإعلانها عن نيتها إيقاف المساعدات في حال فوز حماس !!!
هذه المساعدات التي تصل إلى أكثر من مائة مليون دولار شهرياً لصرفها على المستحقات الشهرية ناهيك عن مبالغ أخرى تحتاجها الحكومة لإجراء عمليات إصلاح البُنى التحتية !
وبعد فوز حماس ,أعلنت الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا عن وقفها للمساعدات المالية للضغط على الحكومة الفتية للاعتراف بكافة الاتفاقيات الموقعة والاعتراف باسرائيل!!
وهنا أيضاً يتجلى شعار " الحرية" الذي أطلقه الرئيس الأمريكي جورج بوش وإدارته في احترام خيار و اختيار الشعب الفلسطيني في دفع حماس إلى سدة الحكم !
لقد كان للمقاومة الفلسطينية عبر انتفاضتها الباسلة التي قادها إخواننا الأبطال هناك أكبر الأثر في تغيير المسار التاريخي و الجغرافي و الديموغرافي للفكر الصهيوني بعد أن تخلى هذا الفكر على الأقل عن فكرة اسرائيل الكبرى الممتدة من الفرات إلى النيل!
والاستعاضة عن ذلك بإقامة الغيتو النهائي الكبير في أذهان الشعب الاسرائيلي قبل أن يكون واقعاً على الأرض بفكرة بناء جدار شارون الواقي!!!
غير أن ذلك لا يعكس ضرورة الرغبة الاسرائيلية الحقيقية في السيطرة على المنطقة إن لم يكن بعد الآن عسكرياً فليكن مالياً و اقتصادياً!!
إن الواقع الديني و التاريخي و الاسطوري الافتراضي لدولة اسرائيل توقف أمام حاجز المقاومة و الانتفاضة الباسلة لأبناء شعبنا الفلسطيني كما سيكون ذلك أيضاً في العراق عبر المقاومة الباسلة لإجبار الولايات المتحدة الأمريكية على تغيير سلوكها و فكرها الافتراضي حول إدامة احتلالها للعراق وشعب و إمكانيات العراق!
لا بد هنا من الإشارة إلى ضرورة دعم الشعب الفلسطيني الحر الذي جسد شعار " الحرية" واقعاً حقيقياً و ليس افتراضياً كما جاء شعار " الحرية " عند الرئيس الأمريكي جورج بوش . دعم هذا الشعب الفلسطيني وحكومته عبر إنشاء مراكز و صناديق تبرع دائمة و مفتوحة على المستويين الحكومي و الشعبي لحشد و توفير المال الكافي لاستمرار عمل الحكومة الفلسطينية الفتية و احتراماً لرغبة و قرار وخيار الشعب الفلسطيني في نيل حريته و استقلاله.
ويبقى شعار " الحرية " الذي أطلقه الرئيس الأمريكي شعاراً افتراضياً لطالما يعيش العراق و شعب العراق الأبي مخاضاً مستمراً يقود إلى مزيد من النزيف و التقطع و الإخفاق المستمر في بناء الدولة و الوطن .
وعلى النقيض , يبقى شعار " الحرية " الذي أطلقه الشعب الفلسطيني بصوت واحد أعطاه لحماس شعاراً حقيقياً وواقعياً لطالما بقيت انتفاضة شعبنا الفلسطيني قائمة والتي ستقود حتماً إلى مزيد من العزة و القوة و الكرامة .
و ما بين " حرية بوش الافتراضية " و " حرية الشعب الفلسطيني الحقيقية " , ستُرسم الملاحم و الملامح البطولية التي يخطها أبطالنا الأشاوس الذين آمنوا بحقيقة واحدة ....
حقيقة أن الحرية تؤخذ و لا تُعطى .........

دعوة للمشاركة

موقع الأيهم صالح يرحب بالمشاركات والتعليقات ويدعو القراء الراغبين بالمشاركة إلى فتح حساب في الموقع أو تسجيل الدخول إلى حسابهم. المزيد من المعلومات متاح في صفحة المجتمع.