خواطر أربعينيات العمر (1ـ2)

جوليا، أو جولي كما كانت تفضل أن أناديها، فتاةٌ بلغارية تفتّحَ ربيعها العشرون في نهاية ثمانينات القرن الماضي. اليوم، وبعد أن طحشتُ الأربعين، تخرج جوليا من ذاكرتي البعيدة كما يخرج النور المحاصر من ثقبٍ في الجدار، لترتحل بين حيزَي الوعي واللاوعي. لجوليا فضل في عنقي لا أنساه؛ فقد علمتني الحبَّ واللغةَ و"الشيوعية"!!.
كنت ألتقي بها مراتٍ عدة في الأسبوع؛ وكانت تحدثني في كل شيء إلا في السياسة!. البدوي المكبوت في داخلي افتتن بالرائعة جوليا. الرومانسي في داخلي سلبت جوليا عقله. السياسي المؤدلج في داخلي ينرفز جوليا!!.
مقهى "هافانا"، حيث كنا نلتقي أحياناً، كان المفضل عندي لقضاء سهرة نهاية الأسبوع. كنت أشعر، كشيوعيٍّ غضٍّ معبئ بالنظرية والكتب الخالدة، أن لـ "هافانا" حبلٌ سرّيٌ يشدني إلى ماركس وكاسترو وتشي غيفارا!.. ولكن جولي الكومسمولية كانت تفضل الـ "شيراتون"!!. وعندما كنت ألعب دور الـ جنتلمان أمامها؛ فأعرض عليها سيجارة "بيتا" بلغارية الصنع، كانت تتعفف بحجة أن الـ "مور" يناسب حنجرتها أكثر! وتنفث في وجهي دوائرَ من دخانٍ أمريكي منكّهٍ بطعم النعناع!!.
في مدينة التماثيل "صوفيا"، تهتُ إلى حد الدهشة والفخر والهيام! وفي كل منعطفٍ، وتحت كل نصبٍ تذكاريٍّ شامخْ، وفي كل حديقةٍ عامة، وفي ساحة الثورة الاشتراكية، وأمام ضريح القائد الشيوعي الخالد "غيورغي ديمتروف" كنت أردد على مسامع "جوليا" بأن بلغاريا قطعة من الجنة على الأرض!! أما هي فكانت تطوقني بعيونٍ شاردة، وبنظراتٍ محملةٍ على جناحي حُلُمٍ قديمٍٍ ينتهي خلف البحار وتحت أقدام تمثال الحرية!!.
استقبلتني "صوفيا" بحفاوةٍ وترحابٍ بالغين! فاستبشرت خيراً، وربما نسيت قهر الوطن وغربة الوطن. أما الحالمةُ "جوليا" فقد دقت في عقلي المؤدلج أول مسمارٍ عميق!!
كنت قد تعرفت على المدينة الفاضلة "صوفيا" من قبل أن ألتقيها، إذ كان وجهها منثوراً في عشرات الكتب والمقالات مما دعي بالأدب الاشتراكي! وعندما فيها التقيت بوجه الحالمة "جوليا" أدركت أن إحدى الاثنتين ليست بفاضلة!!
كانت الصديقة الكومسمولية "جوليا" (وكنت أحسبها رفيقة) تتأبط ذراعي بحنانٍ أنثوي لا يقاوم؛ والناس من حولنا اجتماع! وكانت الساحة الرئيسية في مدينة التماثيل "صوفيا" تميد بأمواج البشر الزاحفة نحو ضريح القائد الخالد؛ والقيادة السياسية للحزب الشيوعي البلغاري تتعمشق فوق المنصة الرئيسية للضريح. كانوا يلوحون للناس في الأسفل بأيادٍ تغطيها قفازات جلدية باهظة الثمن, أو يرفعون قبعاتهم الأوروبية تحية للجموع الهاتفة بحياة القائد والثورة.. وما أدراك ما الثورة؟!. الثورة في صوفيا حلم تحقق, وواقع حي ينبض بالحياة.. ولا حياة لمن تنادي بين جموع المحتفلين. هذه الجموع تعودت في كل عام المجيء إلى ساحة الضريح للاحتفال بالثورة, فأصبح الأمر بحكم العادة. أكثرية الحضور رجال ونساء طاعنين في السن, أو شباب متعلم انتزعوهم بالقوة من على مقاعد الدراسة والتحصيل الجامعي، وحمّلوهم أعلاماً حمراء صغيرة وساقوهم للاحتفال بثورة لا يعرفون عنها شيئاً إلا اسمها. زعماء الكومسمول اللينيني نظموا أمور الاحتفال بخبرة مدهشة, أعدوا لوائح بأسماء الحضور, وزّعوا عليهم الصور واللافتات المعبرة, وكلها لافتات حمراء مزينة بالمنجل والمطرقة! وعلى أبواب الكنائس العتيقة انتشر عسس الكومسمول لمراقبة الداخلين إليها من الشباب، والذين قد يخطر ببالهم التهرب من مهرجان الاحتفال بحجة الصلاة والعبادة!!...
انتهى الاحتفال بصيحات النصر العظيم، واحمرت الأكف وبُحت الحناجر و"انتصر" الرفاق من جديد!. أما صديقتي جوليا، وقد كللها الصمت بتاجٍ من الخيبة واللامبالاة، أودعتني علمها الأحمر الصغير وهي تميل بناظريها إلى موكب السيارات السود المفيمة والهاربة عبر مخرجٍ خلفي للضريح!! وفي عقلها يتصارع ألف سؤال وأمنية... وفي عقليَ المؤدلج يغور المسمار لمسافات مؤلمة تمتد بين الوهم والحقيقة!!.
* * *

المنتديات