كي لا ننسى الدور السوري في لبنان

قد يظنني البعض مجنوناً عندما أدعو لعودة سوريا إلى لبنان، ليس عودة الجيش والمخابرات وليس عودة الانتهازيين كخدام وأمثاله. بل عودة الدور السوري كوسيط وليس كطرف في الصراع. كان الدور الوطني السوري الدائم هناك يتمثل في حماية بلد شقيق من الفوضى والتشتت الذي تعمّه. لذا أدعو إلى عودة دور فعّال لتهدئة النفوس والحصول على حل يرضي الجميع ويحمي المصالح.
طبعاً سيتساءل الآلاف عن سبب وجيه يدعونا إلى ترك موقفنا الداعم للمقاومة والوقوف على الحياد. أقول العكس هو الصحيح، المطلوب موقف داعم بفعالية للمقاومة عن طريق تأمين عودة صحيحة للتوازنات في لبنان مما يحميها مستقبلاً من المشاكل التي واجهتها خلال الحرب الأخيرة والتي قد تواجهها في الحرب القادمة. وجزء من هذه المشاكل يعود إلى رغبة البعض في التهجم على سوريا مهما كان الثمن. وإيمانهم العميق بأن هذا هو في مصلحتهم وعلينا ببساطة إثبات العكس. حيث لا ننسى أن هؤلاء السياسيين لا يمانعون من بيع "آبائهم" في سبيل مصالحهم الشخصية ويوجد للجميع منهم سعر مناسب.
قد تكون الخطوة الأفضل للسياسة السورية التدخل وعدم ترك الأمور للعواصم الأجنبية والعربية ولا حتى لجامعة الدول العربية. إن السوريين أدرى بمتاهات لبنان من أي شخص آخر، ووجود ممثل للجمهورية السورية (وليس سفير) في لبنان للتنسيق بين الأطراف يضمن الوصول إلى حل بحده الأدنى لا يضر بالمصالح السورية. علّ هذا المندوب إن كان وجهاً جديداً على الساحة اللبنانية يسمح له بمناورات أفضل وعقد لقاءات مفيدة أكثر والإطلاع على الآراء المختلفة وبعدها يرى إمكانية البحث عن حلول التي تشمل ما يريده الأطراف جميعاً.
فمن مراقبة الوضع اللبناني نرى التأزم قد نتج من أنّ الحكومة اللبنانية لا تود التنازل عن أي من مكتسباتها "ومزاياها المادية" بحجة المحكمة الدولية، بينما ترفض المعارضة الجلوس كمتفرج. وهذا الموضوع يمكن حله سورياً بسهولة باقتراح على رئيس الجمهورية اللبنانية مساعدته في إجراء مشاورات مع النواب الموالين للحكومة وتوسيع الحكومة إلى ثلاثين، عشرة منهم للمعارضة وواحد حيادي وشريف يتفق عليه الجميع مثل سليم الحص، أو أي شخصية حيادية أخرى لا تنتمي لأي تيار، وأنا متأكد أنه وحدها المخابرات السورية تملك ملفات كافية عن السياسيين اللبنانيين والتي تضمن تأمين هكذا شخص ليضمن وجود تمثيل فوق الثلث في مجلس الوزراء اللبناني.
ومن ناحية أخرى يمكن الحصول على تعهد الموافقة من رئيس الجمهورية اللبنانية على موضوع المحكمة الدولية بشرط إنهاء الأزمة الحكومية وإجراء تعديلات على بعض بنودها المثيرة للجدل وتحقيق حلّ وسط بين جميع الفرقاء اللبنانيين. مما يضمن عودة دور رئيس الجمهورية إلى الشارع بعد اغتصاب سلطاته من قبل رئيس الوزراء. ويمكن للسوريين لعب دور الوسيط هذا مع المحافظة على موقع الرئاسة الأولى وعلى نشاط جميع الأطراف وعدم السماح بانتشار الفوضى في لبنان. فالفوضى قد تهدد سلامة سوريا في أحد اللحظات. وجميعنا شاهد بعض الخلايا الإرهابية التي جاءت عن طريق الحدود اللبنانية والممولة من هناك. كما نعرف استعدادات الميليشيات اللبنانية لحرب عصابات معيدة "أمجاد الحرب الأهلية". واستعداد اسرائيل للتدخل في هذه الحرب لحماية المدنيين وقتل الأطفال والنساء فقط!!.
ومن ناحية أخرى فإن هكذا تحرك في لبنان يجب الاستفادة منه إعلامياً حتى لو لم يصل إلى الهدف المرجو منه، فسوريا بحاجة إلى تقديم عرض أمام المسرح العالمي لإظهار حقيقة أنها لا تخاف من المحكمة الدولية وأن الحلفاء الممكنين في أمريكا والعالم يمكنهم الحصول على جولة سورية في لبنان تدعو إلى وحدته واستقلاله ولا تعارض المحكمة الدولية. وبرأيي التحرك السوري باتجاه لبنان لهو أفضل من الجلوس وانتظار اللبنانيين للقدوم إلينا، وهو أهم خطوة تظهر دور سوريا الاستراتيجي الجديد في المنطقة خاصة بعد الدفعة المميزة في العلاقة مع العراق. وتضمن رسم خريطة جديدة للمنطقة تكون سوريا محوراً أقوى فيها ونقطة فعالية لا يمكن الاستغناء عنها في أي معادلة. وهو مما يجعل الأفكار الإسرائيلية حول عمليات قلب الطاولة محض هراء، وفكرة الفوضى الخلاقة تصدم بواقع التعايش الفعّال والذي لا يستطيع شعب في العالم أن يدّرسه للآخرين مثل الشعب السوري.