لقطة حرية

المنتديات
قد نحتاج, نحن الرجال, من يدلنا من النساء على لقطات لا تُطال الحرية بدونها..

في حديث مع صبية من بلدة السلمية, و هي بلدة سورية قريبة من حماه و تُعرف بالحراك الثقافي و السياسي, حكت لي عن لقطة في الصفحات الأخيرة من رواية "شرق المتوسط" لعبد الرحمن منيف. أذكر مما حكته بأن بطل الرواية قال لطفلة شيئاً ما أثناء خروجه مما استلّ دموعاً من مقلتيها أثناء القراءة, فسكنت كلماتها في مكان ما فيّ. أدركتُ ذلك بعد أكثر من سنتين, حين قرأت ذات الرواية ووصلت للفقرة ذاتها فتوقفتُ عندها, أعدت القراءة, توقفت, ستنفر دموعي على شيء لا أقرأه أو أسمعه أو أعرفه للمرة الأولى, أعدت القراءة, إلى أن استفاقت الصورة التي أودعَتها تلك الصبية في ذهني.
رجب, بطل الرواية, سُجن و عُذب و أُجبر على الاعتراف و الوشي و بالتالي التوقيع على شهادة عاره, و إلى كل ذلك مما خبرته شعوب شرق المتوسط و غيرها من تعذيب و تشويه. بعد أن خرج من السجن و سافر إلى فرنسا و رجع "للوطن".... يؤسر مرة ثانية و أثناء خطفه تمر اللقطة, على لسان أخته, ليس كمرور غيرها:

"... و ساروا. مشى واحد أمامه, و اثنان وراءه. و رجب مشى بثقة و جسارة, قبل أن يصل الباب التقط ليلى التي تقف أمامه و تضحك, حملها إلى صدره, و سمعْتُه يقول لها:

- هؤلاء هم الوحوش الذين حدثتك عنهم الليلة الفائتة, أتتذكرين؟
و تلقى بظهره دفعة قوية كادت توقعه, استند إلى الجدار بيد و ظل يحمل ليلى باليد الأخرى, و قبل أن ينزلها على الأرض, قال بصوت عالٍ:

- انظري إليهم جيداً, لا تضحكي لهم أبداً يا ليلى!
و بكت ليلى, كان بكاءً حاراً خائفاً, و لما لم أستطع أن أوقف بكاءها, بكيت معها..."

لم تغتل هذه الوحوش- كلمة وحوش هنا لا تتوسط قوسين كونها تعج بكل مدلولاتها- فرَحاً يتراكض بين البيوت و الحارات, كلمةً معلقة بأناقة على أحد الأسطر, فكرةً تَسرح في السماء, حلماً يحاصر حرية كي يلمسها, لم تغتل كل ذلك فحسب, بل اغتالت طفولة كان عليها أن تدرك بأن هنالك وحوشاً في و من بلادها عليها ألا تضحك لهم. و ليس من السهل على الطفل أن يعلم بأن الضحكة ستُكبت في حالة ما, و أنها يجب أن تُكبت. لم تعذب هذه الوحوش جيلاً فحسب, بل أسست لتشويه أجيالٍ قادمة, لتضمن الظلمة بعد اندثارهم, فتموت مطمئنةً بأن الظلام بعدهم سيطول.

تناولت "شرق المتوسط" الأنثى في أربع شخصيات هي: أم رجب, أخته أنيسة, حبيبته هدى, و ابنة أخته ليلى. و صورت أوجه العذاب الذي تصبه الوحوش عليهن, الأم الحنونة الشرسة التي تلقت من الضربات و الشتائم ما لا تحتمله ناقة, حالات الانتظار المليئة بالفراغ و العبثية و اللانهاية كانت تنهش روحها ككلاب بوليسية. أخته التي جرها شوقها له, أثناء سجنه ثم منفاه, من شعرها جيئةً و ذهاباً على وحل من الدماء المجففة و القيح, و التي تركها الكاتب لتواصل نحيبها المزمن بعد أن مات أخوها من عربدة التعذيب و اعتُقل زوجها و بعد أن غادر القارئ مطبقاً دفتي الكتاب عليها بلا رحمة. حبيبته التي حرمتها الوحوش من عاشق كانت بجمالها و شوقه لها صورة من صور الحرية التي يتوق لها وطنه و يضحي هو لأجلها. و الطفلة التي كبرت فجأة لتصبح الطفولة مجرد ذكريات متناثرة بين بكاء يصهل إلى درجة النشيج يُغرق البيت حتى السقف بالعويل, و طَرَقات على الباب أنبتت جذوعاً و فروعاً في الجدران, و ظلام متربص تتركه الوحوش خلفهم عند الفجر, فلا نهار.

لا أذكر ما الذي جعل (بنت السلمية) توْدع تلك اللقطة بالذات, ألإحساسها المرهف بتفاصيل الأشياء و اللقطات و شدة شعورها بعمق الأشياء و اللقطات كذلك؟ لو لم توْدعها في ذهني, أكنت أقف عندها موطئاً رأسي لدمعتي فتمر؟

للأنثى همسات تؤرق سياطهم و تسحب الشمس من أصابعها متخللةً القضبان, تسحبها إلى أن تهتدي الحريةُ لطريقها. هذا ما وهبته النساء لرجب و السجناء الآخرين في ذلك السجن الصحراوي و في كل السجون.

فالحرية تنبع من مسامات أنثوية. توْدع بقايا إثارةٍ في كل زاوية ذكورية تطوف عليها, لا يمسسها إنسان, تبقى كغبش الحقيقة, كأغنية فرح, كحبيبة لاجئ تسكن الجليل و يسكن اللجوء, ترتب الطاولة عله يعود غداً و يُعدّ الحقيبة عله يعود مساءً. تحط في حضن أحنّت له منذ نتأت ملامح الأنوثة على جسدها, و تبتسم تماماً كامرأة رقصت طويلاً لتهدأ بين راحتي حبيب طُبعتا بالقضبان.

لقطة.. حرية

سليم البيك

كاتب فلسطيني مقيم في أبو ظبي

عضو اتحاد كتاب الإنترنت العرب

خاص – صفحات سورية –

دعوة للمشاركة

موقع الأيهم صالح يرحب بالمشاركات والتعليقات ويدعو القراء الراغبين بالمشاركة إلى فتح حساب في الموقع أو تسجيل الدخول إلى حسابهم. المزيد من المعلومات متاح في صفحة المجتمع.