هرمجدون

صادف عرض فيلم هرمجدون ARMAGEDON على القناة الثانية لمجموعة MBC يوم الثاني عشر من تموز الجاري , انطلاقة اليوم الأول للحرب على لبنان . فظهر الأمر وكأنه مرتب و معد له من قبل القائمين على القناة المحترمة . فهل كان يعي هؤلاء حجم المسؤولية التاريخية و الأخلاقية و الثقافية لعرض فيلم هرمجدون في اليوم الذي اعلنت فيه دولة اسرائيل حربها الواسعة على لبنان ؟
علماً بأنني استنكر سلفاً سياسة القناة المذكورة في كثير من العروض التي تمرر للمشاهد العربي الذي يغفل أحياناً الأهداف التي تقع خلف هذه العروض .
لقد دعت البروتستانتيه الأوروبيه في منتصف القرن السادس عشر الميلادي اليهود إلى مغادرة أوروبا والعودة إلى فلسطين لإقامة مملكة الله . حيث اعتقد هؤلاء بضرورة تهويد فلسطين تمهيداً لعودة المسيح الذي سيعود ليقود المؤمنين من اليهود و المسيحيين ليحارب المسلمين الكفار ( حسب زعمهم) ويقيم مملكة داوود في القدس التي سيدوم ازدهارها ألف عام لذلك سميت هذه المدة بالألفية السعيدة .
لقد برز من بين تيارات البروتستانتية التيار الأصولي المسيحي الذي يعتبر الأشرس تطرفاً من جهة مناصرة اسرائيل!
ولعل أخطر ما طرحه التيار الأصولي المسيحي مقولة أن الكنيسة سوف تُختطف وستبقى اسرائيل لتقود العالم . كما تم طرح نظرية الحرب الكونية " هرمجدون" من قبل هؤلاء . حيث يرون في هذه الحرب الكونية أن لله مخططاً على الأرض من أجل اسرائيل . ومخططاً في السماء من أجل خلاص المسيحيين . كما يرون أن على اليهود أن يدمروا المسجد الأقصى ليُبنى بديلاً عنه هيكل سليمان .
مشى آرثور بلفور على خطى الأوائل من أتباع التيار الأصولي المسيحي . فبالرغم من الدوافع السياسية و العسكرية من وراء التوقيع على وعد بلفور للحركة الصهيونية , فإننا نلمس التأثر الثقافي الديني للرجل الذي أعجب بالمقولات والفلسفة اليهودية لدرجة أن الرجل كان يردد دائماً عبارة أن الدين النصراني و الحضارة النصرانية مدينة بالشيء الكثير لليهودية !
و قد جاء في مذكرة بلفور حول سوريا و فلسطين وما جاورهما قوله :" إذا كان للصهيونية أن تؤثر على المشكلة اليهودية في العالم , فينبغي أن تكون فلسطين متاحة لأكبر عدد من المهاجرين اليهود . ولذا فإن من المرغوب فيه أن تكون لها السيادة على القوة المائية التي تخصها بشكل طبيعي سواء عن طريق توسيع حدودها شمالاً أو عن طريق معاهدة مع سوريا الواقعة تحت الاتنداب . و للسبب ذاته يجب أن تمتد فلسطين لتشمل الأراضي الواقعة شرقي تهر الأردن.
لقد تأثر رجالات القرار في بريطانيا تأثراً كبيراً بالفلسفة اليهودية . فها هو لويد جورج رئيس الوزراء البريطاني يعترف بتشربه لتاريخ الجنس اليهودي .
عودة إلى " هرمجدون" الحرب الكونية التي خطط لها الله . حيث أعلن التيار الأصولي المسيحي عن قيامه بمجهودات كبيرة من أجل إعطاء التاريخ دفعة إلى الأمام حيث يصبح السلاح النووي آنذاك أداة لتحقيق مقاصد الله ولذلك يعتبر أتباع هذا التيار أن منطقة الشرق الأوسط ستكون مسرحاً لهذه الحرب التي ستشارك بها اسرائيل و الولايات المتحدة من جهة وروسيا وايران وأوروبا وافريقيا و الصين و العرب من جهة أخرى .( مع تحفظي على هذا الترتيب)!
يقول ( هال لندسي) في كتابه " الأرض . ذلك الكوكب الكبير المتأخر" , " يجب أن لا يكترث النصارى في الغرب بنشوب حرب عالمية ثالثة مدمرة ما دامت مجمل ضحايا هذه الحرب ستكون من المسلمين و اليهود و بقية الوثنيين في الشرق غير المؤمنين بألوهية المسيح . بل عليهم أن يستعجلوا نشوبها بالعمل على تسريع المواجهة بين الشرق و الغرب حتى يعود المسيح للأرض مرة جديدة لينقذ البشرية النصرانية من الاندثار الكامل".
أما ( جيري فولويل) الداعم الكبير للرئيس الأمريكي السابق ( رونالد ريغان ) في حملاته الانتخابية , فلم يكن يرى أن نظرة ( ريغان) تجاه ما يؤمن به الأصوليون بعيداً عنهم . حث يقول ( جيري فولويل) حول معركة " هرمجدون ": و هكذا ترون أن هرمجدون حقيقية . إنها الحقيقة المركبة . ولكن , نشكر الله لأنها ستكون نهاية العامة . لأنه بعد ذلك , سيكون المسرح معداً لتقديم الملك الرب المسيح بقوة و عظمة ".
وفي خطاب ل ( جيري فولويل) في اسرائيل عام 1978 قال: " إن الله يحب أمريكا لأن أمريكا تحب اليهود ".
أما ما قاله الرئيس الأمريكي السابق ( رونالد ريغان) عن معركة " هرمجدون" : إن الجيل قد يرى تحقيق نبوءة الكتاب المقدس حول معركة هرمجدون . إنها نهاية العالم قد تكون في متناول أيدينا.. إن هذا الجيل بالتحديد هو الذي سيشهد هرمجدون" .
و تشتد قوة التيار الأصولي المسيحي في الولايات المتحدة الأمريكية تناسباً طردياً مع الزمن ويزداد معها الدعم الغير متناهي لموقف اسرائيل السياسي و العسكري و المالي . وعملت هذه الجهة على التغلغل في دوائر القرار السياسي و الاقتصادي في الولايات المتحدة من أجل الوصول إلى الأهداف الموضوعة.
فمروراً في اعتقاد ريغان حول ضرورة دعم برنامج ناسا الفضائي حول ما سمي آنذاك حرب النجوم التي حُضر لها سينمائياً قبل ذلك بمدة طويلة كما حُضر فيلم هرمجدون وعُرض اليوم و للأسف على أقنية عربية ( بين قوسين. لست هنا بمعرض تصنيف عروبة هذه القناة أو تلك على أساس مقومات العروبة . بل على الأقل للقول بأن هذه القناة تنطق بالعريبة . وهنا نقع في إشكالية القول بأن هناك قنوات أخرى ناطقة باللغة العربية مثل هيئة الإذاعة البريطانية أو القناة العربية في تلفزيون اسرائيل !).
ومروراً بحرب الخليج الثانية التي حضرت فعلاً لغزو العراق فيما بعد . وعملية الحادي عشر من ايلول التي أضاءت عنوان الأصولية الإسلامية والإرهاب الإسلامي الذي يدعو بالضرورة إلى مواجهته بقيام جبهة مضادة تقودها الولايات المتحدة الأمريكية و اسرائيل مدعومة من المجتمع الدولي الذي تسيطر على قراراته أمريكا . هذه الجبهة هي ذاتها التي غزت العراق و احتلته لأهداف متعددة .
هؤلاء المسيحيون الجدد هم النسخة المطورة للتيارات الأصولية المسيحية التي أخذت على عاتقها حماية الدولة العبرية بكل الوسائل المتاحة ومن بعد ذلك إعلان البيان النهائي والأهداف النهائية لهذا التيار .
يتحدث هؤلاء عن أصولية إسلامية متطرفة تتمثل في التيارات الجهادية الإسلامية هنا و هناك على امتداد ساحة المنطقة متغافلين عن مشاهدة الوجه الآخر للتطرف الديني الأصولي الذي يتمثل في التيار المسيحي المتجدد والذي تشكلت طلائعه قبل نشوء الأصولية الإسلامية بكثير .
فإن أردنا إجراء تشبيه نسبي بين رجال التيارين الأصوليين الإسلامي و المسيحي فيمكننا القول بأن " هال لندسي " يشبه " اسامة بن لادن " و أن" جيري فولويل" يشبه " أيمن الظواهري" . وأن " بول ولفويتز " يشبه " أبو مصعب الزرقاوي" .!!!
على ما يبدو أن المعركة القادمة ستكون معركة التطرف وسيكون قياديوها أشد عناصر البشرية تطرفاً و شراسة .
لم يكن نشوء حركات التحرر الجهادية في فلسطين و العراق و لبنان و بقية الدول التي ستتشارك مستقبلاً هذا المصير , إلا رداً على الدعم الكبير الذي تتلقاه اسرئيل حول طريقة تعاملها مع الشعب الفلسطيني و الذي يؤكد أن إيمان هؤلاء بمقولات الفلسفة اليهودية هو إيمان راسخ .
هنا يجب على العقل و الحكمة أن تأخذ دوراً لدى قادة الدول و سياسييها حول الأسباب التي تغذي التطرف عند جميع الأطراف و خصوصاً في هذه المنطقة التي لم تهدأ نيران الحرب و الصراعات فيها منذ زمن بعيد .
ما يجري اليوم في لبنان لا يعكس هذه الحكمة و لا يعكس أملاً كبيراً برؤية لحل مناسب و سريع لإنهاء هذه الحرب بالسرعة القصوى قبل أن تتحول إلى ما يدعوه البعض " هرمجدون" !