كلنا هنا في المجزرة..كلنا هنا في الملحمة. بقلم: نوال السباعي

كلنا هنا في المجزرة..كلنا هنا في الملحمة. بقلم: نوال السباعي
منقول:

هنا كتلة لحم وقليل من قماش يستر العورات , تحت تلك الأحجار يدي , وثلاثة غرامات من لحم كتفي عالقة بين الأسلاك والاسمنت , رجل أخي بقيت في الغرفة الثانية , دماغ ابن عمي هاهنا تحت الخزانة , العين اليمنى التي وجدتموها في العتبة ليست لي وان كانت خضراء , تلك عين "ايمان" كانت تلعب في القبو ولاأدري كيف وصلت عينها الى هنا !

مسيحيون , شيعة , سنة , فلسطينيون , سوريون , كويتيون , سعوديون , مغاربة , مصريون , كلنا اليوم لبنانيون , كلنا اليوم هنا في المجزرة , كلنا اليوم هنا في الملحمة , كان لابد للعالم من أن يرى أمعاء أطفالنا في قانا مندلقة تشده من عنقه المتصعّر ليرى ويسمع , كان لابد لهذا العالم من أن يعرف أن اسرائيل هي المعتدية , وأن مايجري في لبنان إنما هو حرب إبادة كاملة , وأن إسرائيل لم تخطيء الحساب يوم ضربت مبنى الأمم المتحدة , كانت ترد على "كوفي أنان"الذي بدا وكأنه يحاول أن يتمرد على إجماع "المجتمع الدولي " بالصمت على المجزرة , كان لابد للعالم من أن نقدم له أربعين جثة من جثث أطفالنا ليفهم أنهم إنما ذبحوا لأن أماً لبنانية خرجت على شاشات الفضائيات العربية تقول :أننا صامدون , ولن ننهزم .
لم يكف العالم سبعمئة ضحية كانت تستنزف دماؤها صبرا في جنوب لبنان الصامد المقاوم , لم يكف العالم سيل الدماء المنهمر في فلسطين المحتلة أو ماتبقى من فلسطين المحتلة تستنزفه"اسرائيل " قطرة قطرة , في هدوء وسريّة ووحشية مابعدها وجشية , لم يكف العالم كل مايجري للفلسطينيين على معابر الذل والهوان والألم والصبر العلقمي المر ّ , لم يكف العالم استئصال شعب كامل وإذلاله إلى درجة انعدام شعوره بالحياة , ولم يكفه ستة عشر يوما من إبادة شعب آخر بكل رجاله ونسائه وأطفاله وبناه التحتية والفوقية وأنتزاع إرادته في الحياة الشريفة ورغبته في الموت العنيد !!.



جريمة شعب لبنان الجنوبي أنه فكر في التصدي , فكر في التحدي , أنه وقف على قدميه وجاء من الموت ومشى على جرحه ورفع رأسه وقال أنا هنا وحمل سلاحه وقاوم , كم هم مخطئون أولئك الذين تحدثوا عن مخططات الشيعة في زمن المجارزالتي تعم الأمة , وحتى لو كان للشيعة مخططات , شأنهم في ذلك شأن كل الشعوب الحيّة العاملة للنهضة والمستقبل , لكن التاريخ اليوم والدمّ الجنوبي الغالي يشهد أن "حزب الله" إنما قام باعتقال الجنديين الاسرائيليين نصرة لأهل غزة المستباحة دماؤهم وأعراضهم وحياتهم وموتهم والعالم صامت يتفرج , أهل غزة الذين حصروا وحاصروا ولم يجدوا لهم ناصرا , كان يجري تمرير مذبحة غزة بصمت تحت سمع وبصر العالم , حكام المنطقة العربية صامتون وجلون , أغلال الاتفاقيات الثنائية مع الولايات المتحدة و"اسرائيل" تطوق أعناقهم , لاأحد بالطبع يعرف شيئا عن تلك الاتفاقيات , لأن شعوب المنطقة العربية لو كانت تعلم شيئا عن هذه الاتفاقيات لتفهمت على الأقل مواقف حكوماتها الرشيدة والحكيمة والأمينة على مصالح البلاد والعباد !!!, الشعوب بدورها واقفة تتفرج , أحيانا أقول :" لولا - قناة- الجزيرة مات الناس كلهم .. لافرق في الموت بين العرب والعجم" , هزت الناس في المنطقة العربية الرسوم الكاريكاتيرية التي آذت الرسول الأعظم الذي قال إن حرمة المؤمن عند الله أعظم من حرمة الكعبة , ولكننا قوم لانفقه النصوص , وقف كل فقهنا عند أعتاب ولاة أمر ينفحوننا شيئا من رضاهم وشيئا من فتات مالنا الذي بين أيديهم , انتفض علماء السلاطين لتحريك الشارع الاسلامي الساكن منذ عقود طويلة في وجه الرسوم الكاريكاتورية , فماذا فعلوا اليوم وكل قنوات العالم الاعلامية ترسم دماءنا بكل الكلمات والصور , كاريكاتورا أسود حالكا, دماؤنا تسيل عبر أوراق الصحافة تنهمر سوداء وحمراء تملأ الأمكنة والازمنة والضمائر وتصم وتعمي , فأين هم علماء السلاطين اليوم من هذه المذابح , التي لو وقعت في صفوف اليهود لحق لكل مسلم أن يستفرغ جهده لنصرتهم وموالاتهم ودعمهم والدعاء لهم بأن يفرج الله كربتهم ويرفع عنهم هذا الأذى الذي لاتكاد نفس شريفة تحتمله!.
بدلا من هذا قام علماء السلاطين بتأجيج نيران الفتن التي لم تكن نائمة قط بين السنة والشيعة , قاموا بصبّ الزيت على النار , كان بإمكانهم لو رزقهم الله شيئا من نوره أن يستغلوا هذه الفرصة الذهبية لينهوا هذه الفتنة الموقدة منذ قرون , ولكن الحكمة ضالة المؤمن بالله وهؤلاء القوم ليسوا مؤمنيين إلا بولاة أمورهم وبعض الجزئيات التاريخية مما جاء في كتب ابن تيمية رحمه الله الذي لو كان حيّا اليوم بيننا لكفرنا جميعا عن بكرة أبينا لهول مايرى من حماقاتنا وسوء فهمنا لمقاصد الشريعة والدين والكتاب والسنة.
لقد انغلقت عقول القوم منذ قرون على تلك الكتب فاتخذوها كتباً لهم من دون كتاب الله , ووقفوا كل وعيهم على بعض ماقاله الأقدمون وعاشوا في بروج شيدها لهم ولاة أمورهم فلايرون إلا مايرون , فهم يرون بأعينهم التي لاتنام , ويسمعون بآذانهم الصمّ عن معاناة العباد والبلاد, وهم أيديهم التي يكتبون بها وأرجلهم الكسيحة عن المشي في الأسواق ومعاينة معاناة الناس في بلادهم وفي غير بلادهم , ومازالوا يتقربون إليهم بالفتاوى الأميرية المنبطحة بين أيديهم حتى أحبوهم ومن أحبه ولي أمره أغناه حبه له عن رؤية الحق وقول الحق ورضى الله ورضى الأمة.ومافتئ هؤلاء يتحدثون عن توحيد الألوهية وتوحيد الربوبية وعن الولاء والبراء وهم أعظم أهل الأرض شركا لوكانوا يفقهون!.
لم يفهم ولاة الأمر ولاعبيدهم من فقهاء وأئمة السوء أن هذه الأمة واحدة , بسنتها ونصاراها وشيعتها وكل فرقها وطوائفها , لم يفهموا أن المذبحة عامة للجميع , وأن قنابل الولايات المتحدة الغبيّة لاتفرق بين طائفة وطائفة , نعم لقد قُصف الشيعة في جنوب لبنان وحدهم , ولكن هذا القصف كان في قلب كل سني ونصراني وكل إنسان حي , ولقد ثبت حزب الله في الجنوب ولكن هذا الثبات مدعوم بمواقف نصارى لبنان وسنته ودروزه الذين آووا ونصروا ووقفوا وقفة مشرفة سيسجلها لهم التاريخ كلهم.
لبنان كله كان في قلوبهم وكانوا يدركون أن الجنوب جزء لايتجزأ من لبنان , ولقد فهموا وربما للمرة الأولى منذ زمن طويل أن لبنان جزء لايتجزء من هذه الأمة , حيّا الله تلك الأيادي الكويتية والمغربية والمصرية والسودانية التي خرجت تقول كلنا اليوم "حزب الله" ,حيّا الله تلك الأصوات السعودية النديّة التي وعدت "حزب الله" بأن تأتيه مقاتلة معه منافحة عن شرف هذه الأمة ووجودها , حيّا الله تلك الجاليات المسلمة والعربية في الغرب التي كانت تتظاهر باسم المقاومة الجنوبية , لقد سبقت الشعوب حكامها وفقهاءها العاجزين عن فهم شيء مما يحدث على الساحة , حيّا الله الدكتور يوسف القرضاوي , والدكتور محمد عمارة , والدكتور سلمان العودة , وغيرهم كثير من العلماء العاملين الذين يفقهون مايجري على هذه الساحات والذين ردوا الأمور إلى نصابها في هذه الفتنة التي لولا وقفة الشعوب المشرفة فيها لكان لها أن تعمي وتصم , وحق لها أن تعمي وتصم.



كان لابد للعالم من مأدبة عظيمة على مائدة تخرج من الأرض ولاتنزل من السماء تصبح مأتما دوليا هائلا لأولنا وآخرنا وإنسنا وجننا نحن سكان هذه الأرض التي مُلئت ظلما , كان لابد لهذا العالم الذي باع عرضه عهرا لاسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية , كان لابد له من هذه المأدبة من جثث أولادنا فلذات أكبادنا في قانا , أواه ياقانا وياتراب الجنوب , ليت صوتك يافيروز يصل العالم بكل لغات الأرض ليعرفوا أن "حماس" , و"حزب الله" إنما هما عنوان مقاومة أمة لأخطبوط وسرطان الموت القذر الذي فرضه عليها كبراء الارض , ليفهم هذا العالم أن غناءك لتراب الجنوب إنما هو دندنة أمة تغني لرجالها الأشداء الذين رفضوا إلا موتا شريفا مقدسا في وجه هذا الغول الذي دُسّ في أحشائها والذي يسمى "أسرائيل" والتي ماكان لها أن تصمد قط لولا قنابل أمها الولايات المتحدة المفرطة في الغباء ودعم جدتها بريطانيا العجوز ومن ورائها كل الحلفاء الذين آلوا على أنفسهم أن يصمتوا أمام كل هذا الحجم من الظلم حفاظاً على مصالحهم المتمثلة في استمرار تدفق البترول الى شرايين نهضتهم لتستطيع شعوبهم الاستمرار في تناول الكرواسان كل صبح مع الحليب المنزوع الدسم حفاظا على رشاقة أجساد نسائها لتستمر قدرتهن الفائقة على إرضاء رجال لاهم لهم إلا التنقل بين أحضاء الغواني , ولكي يضمنوا هذه الرفاهية وهذا العيش في جنة يعرفون أنها ليست جنة الخلد كان لابد لهم أن يغضوا الطرف عن نزف دماء العرب الذين ابتلوا بالبترول , ملعون البترول , ملعون أباه !!.



آلة القتل المستكبرة في هذه الأرض والمستأسدة في أرضنا , شلتها أيدي هؤلاء القابضون على الجمر في فلسطين النازفة وفي الجنوب اللبناني الصامد , آلة التشويه الاعلامي العالمية التي تكفلت أن تقلب الحق باطلا والباطل حقا تكفلت بضربها ضربة قاصمة أشلاء فلذات أكبادنا في قانا كما تكفلت بذلك صورة "محمد الدرة " من قبل , آلة السياسة العالمية العاهرة لاولئك الذين باعوا ضمائرهم للشياطين في طول العالم وعرضه زلزلها صمود لبنان الشعبي بكل طوائفه وتوجهات أطيافه وفرقه وأحزابه , هذا الصمود على أرض السياسة كان أشد فتكا من صمود المقاومين على أرض المعركة , كلمات الرئيس "لحود" الثابتة في الفضائيات كانت أعظم فعلا وتأثيرا من كلمات "الشيخ حسن نصر الله" العظيمة , لأن الرئيس لحود كان يخاطب العالم الغربي المخدوع بديمقراطية "اسرائيل" ليقول له إن لبنان ديمقراطي كذلك , فانظروا ماأنتم فاعلين وقد صمتّم على ذبحنا طويلا باسم الحفاظ على "الديمقراطية الوحيدة" المسكينة اليتيمة في الشرق الأوسط!!.



الحق لايمكن أن يصبح باطلا قط ولو اجتمع اهل الأرض جميعا لتشويهه وسحقه وذبحه وتقطيع أوصاله ودفنها في باطن الأرض بعيدا عن العيون وسُجلت الجريمة باسم مجهول !, تأبى الأرض إلا أن تلفظ الجثث كلها , ولكن من بين كل الجثث دائما تأتي جثث الشهداء طرية ندية رائحة دمائها تنفح العالم بالمسك والعنبر , وجراحها تحتفظ ببصمات القتلة ' هكذا هو الحق لايمكن قتله لأنه شهيد يأتي من الموت ليشير بإصبعه إلى الباطل ليعرف الجميع اسم القاتل وهويته , وهكذا كانت "قانا" شهيدة الحق , ولذلك عادت من الموت , تمنت على ربها أن يحييها لتقتل في سبيله مرة ثانية , وهي أمنية لم تتحقق لشهيد من قبل , لكنها تحققت لقانا الشهيدة مرة بعد مرة , جاءت من الموت لتحيا وتمشي على جرحها ثم تمشي وتقاوم وتقاوم , إنها منتوج شعوب تتحدى لاتساوم مهما بدا للآخرين أنها نائمة شاخرة متعبة , هاهي شعوب المنطقة العربية تنتفض لتعلم أولياء الامور وفقهائهم المأجورين درسا تاريخيا فريدا في أن الشعوب تدرك أننا كلنا هنا في المجزرة سواء , وأننا والحال هذه يجب أن نكون كلنا هنا في الملحمة معاً.