حرية التعبير في تراجع مستمر 2: أليكس جونز

خلال أقل من يومين تم إغلاق أغلب حسابات أليكس جونز  ومؤسسة Infowars على شبكات فيسبوك ويوتيوب وابل وسبوتيفاي وربما غيرها، وهناك حاليا حملة تستهدف إغلاق حساباته وحسابات مؤسسته على تويتر. الحجج التي تسوقها الشركات هنا هي أن ما يقوله جونز يمثل خرقا لشروط هذه الخدمات.
أليكس جونز واحد من رواد الاعلام البديل، ويقدم نفسه كشخصية حادة الطباع تخرق أغلب القواعد التي يعتمدها الاعلام التقليدي، فهو لا يجد حرجا في الصراخ والشتم وضرب الطاولة على الهواء مباشرة عندما يقوم ترامب بقصف سوريا، ولا يجد حرجا في المجاهرة بآراء يعتبرها بعض الناس غير منطقية أو يستاؤون منها، مثل معارضة الحرب على ليبيا وعلى سوريا وقبلها على العراق.. وفي مقابلاته القليلة على الاعلام التقليدي لا يتورع عن مهاجمة الاعلاميين وفضح زيف أخبارهم وطروحاتهم.
وما تعرض له جونز خلال اليومين الماضيين ليس مجرد حجب تقليدي، فقد تم حذف كامل أرشيف قناته الشخصية من Spotify وحذف أغلب أرشيفه على  itunes كما تمت إزالة قناته على اليوتيوب التي تملك مليونين ونصف مليون مشترك.
أنصار جونز يروجون لما حصل مع جونز على أنه جزء من معركة اليمين واليسار الثقافية، وفي هذا جزء من الحقيقة، فجونز حاليا يميل باتجاه اليمين وخصومه الذين يشنون الحملات عليه يبدون لي على أنهم من اليسار المتطرف. ولكن ما ينساه أنصار جونز هو أن هذه الشبكات الاجتماعية ليست خدمات عامة، بل هي شركات ربحية تتحكم بها أجندات سياسية، آراء الناس لا تعني شيئا لمدراء يوتيوب وفيسبوك، ما يعنيهم هو استمرار الاعلانات من المعلنين، ودعم اتجاهاتهم السياسية.
من يدافعون عن جونز يعتبرون أن حجب مؤسسة جونز يعني أن هذه الشركات تنصب نفسها ناطقا باسم الحقيقة، وأنا أرى ذلك مبالغة، فهذه الشركات خاصة ولا سلطة لأحد على ما تقرره، ولذلك يحق لها أن تحذف أي شيء من مخدماتها بغض النظر عن صاحبه وبدون التصريح عن أسباب ذلك. فيسبوك ليس ملكا للمستخدمين، وصفحة جونز على فيسبوك ليست ملكا له، بل هي ملك لفيسبوك. كل ما تنشرونه على مواقع هذه الشركات يصبح ملكا لها، بما في ذلك صوركم وأفلامكم وأفكاركم وآراؤكم، ومن حق هذه الشركات التصرف بأرشيفكم أو حذفه عندما يرغبون وبدون تقديم أي تبرير.
لذلك لا يمكنني القول أن هذه الشركات تعتدي على حق جونز في حرية التعبير، فهم لا يمنعونه من التعبير عن آرائه، هم يمنعونه فقط من إيصال آرائه إلى جمهور هذه الشبكات. وهذا يعني حرمان شريحة كبيرة من البشر من الوصول إلى معلومات يرغبون بالوصول إليها عبر هذه الشبكات. هنا ربما يشعر بعض الناس باعتداء على حقهم في الوصول إلى آراء جونز، ولكن حتى في هذه الحالة فالحجب ليس اعتداء على حق أحد. هذه سياسة الشركة وعلى الجميع تقبلها ولا يمكن حتى الاحتجاج عليها لدى القضاء.
رغم قناعتي بكل ذلك، لا يمكنني أن أتجاهل أن ما يقوله جونز كان مقبولا من قبل مدراء هذه الشركات، وأصبح حاليا غير مقبول. جونز لم يفعل شيئا يعاقب عليه القانون، هو فقط جاهر بآراء أصبحت تعتبر غير مقبولة، ولذلك تم حجبه. هذا بالنسبة لي دليل إضافي على التراجع الكبير في حرية التعبير على الإنترنت في السنوات الأخيرة.
إذا كنتم من زبائن هذه الشركات، وتقدمون لها صوركم وأفلامكم وأراءكم وحواراتكم الشخصية مجانا لتفعل بها ما تشاء، فهذه فرصة مناسبة لكم للتفكير والتمعن في ما حصل مع جونز. إذا قررتم الاستمرار في متابعتها، كونوا متأكدين أن المزيد من الحجب على الطريق، وكما استهدفوا جونز سيستهدفون غيره ليحرموهم من الوصول إليكم، وذات يوم سيستهدفونكم أنتم.
بدلا من التوسل أو التظلم أو التشكي، أعتقد أن التضامن الحقيقي مع جونز هو في مغادرة هذه الشركات نهائيا. أوقفوا استخدام منتجاتها وخدماتها. انتقلوا إلى منافسيهم وادعموهم ليطوروا منتجات منافسة،

الأيهم صالح