حرية التعبير في تراجع مستمر

قام فنان كوميدي اسكتلندي يسمي نفسه "الكونت دانكولا" بتدريب كلب صديقته على أداء السلام النازي عبر عرض أفلام عن ألمانيا النازية وخطابات هتلر على الكلب، وبعد التدريب أصبح الكلب يستجيب لعبارات نازية مثل "احراق اليهود" عبر أداء السلام النازي، ثم عرض الفنان فيلم فيديو للكلب يقوم بذلك في قناته على يوتيوب.

بعد ذلك تعرض الفنان لدعوى قضائية بتهمة "التحريض على الكراهية" وخلال الدعوى أصر الادعاء على إخراج النكتة من سياقها، وأيده القاضي في ذلك صراحة، وحكم بإدانة الفنان، وينتظر أن يصدر حكما في القضية في شهر نيسان أبريل القادم.

في هذه القصة عبر كثيرة، فهي مثلا تعكس مستوى انحطاط القاضي وبالتالي مستوى انحطاط القضاء الاسكتلندي،الذي يدين رجلا بسبب نكتة بدلا من الدفاع عن حقه في حرية التعبير. إضافة لذلك فمجرد السماح بإخراج نص من سياقه في النظام القضائي يعني فتح بوابة تجريم أي شخص قال كلمة ما بأي سياق كان. ومجرد رفض القاضي تفسيرات الفنان و اعتبار القاضي أن ما فهمه هو المعنى الوحيد للنص يفتح أبواب تفسير القضاة على هواهم لكل نص يعرض أمامهم، ويمكنهم من إدانة أي شخص بتهمة التحريض على الكراهية مهما كان النص الذي كتبوه ومهما كان السياق

كما تعكس هذه القضية مستوى تشتت المدافعين عن حرية التعبير في العالم، فلا مظاهرات منددة بالاعتداء على حرية التعبير، ولا مطالبات بحماية الفنانين من القضايا العدوانية التي تستهدف إسكاتهم، ولا تضامن جدي مع الفنان الذي وقع ضحية ظلم واضح وغير منطقي يمكن أن يقع فيه أي شخص آخر.

ما يهمني أنا في هذه القضية هو التركيز على ما يسمى بحرية التعبير في بريطانيا. هذه القضية تعكس أن ما يسمى "حرية التعبير" في تراجع مستمر في الغرب، وإذا كان القضاء البريطاني يدين رجلا بناء على نصوص أخرجت من سياقها وتم تحميلها معاني غير مقصودة وغير مضمنة فيها أصلا، فماذا يمكن أن نتوقع من القضاء الأمريكي أو القضاء السويدي أو البلجيكي؟

أمامنا نحن المدونين وكتاب الإنترنت  خيار حاسم في هذه الأيام، فإما أن نكون أكثر حذرا، ونخشى أن يقتطع أي شخص ما مقاطع من كتاباتنا ويقدمها إلى "القاضي المناسب" لنجد نفسنا متهمين بتهم خلبية لا أساس لها في دولة مثل ألمانيا النازية أو بريطانيا. وإما أن نصر على الدفاع عن حقنا في حرية التعبير، ونتضامن مع ضحايا القضاء الخلبي في ألمانيا النازية وبريطانيا والسعودية والدول التي يمكن أن تدين شخصا يسخر من شخصية تاريخية.

القرار ليس سهلا، والثمن الذي قد ندفعه إذا قررنا عدم تطبيق الرقابة الذاتية قد يكون باهظا، ولكنه ثمن الحرية.

أنا مع الحرية، فماذا عنكم؟