لكي لا تقع بقرتنا في البئر

بالنسبة للأمريكان، سيناريو احتلال العراق لم يكن السيناريو الأفضل على الإطلاق، صحيح أنهم يعتبرون أنهم أسقطوا نظام صدام كما يبدو (أشك في ذلك)، ولكنهم بدون شك لا يسيطرون على العراق، وتعاني الحكومة المتعاملة معهم مشاكل كبيرة على مساحات واسعة من أرض العراق.
ولا أعتقد أن أحدا يشك في الأهمية الاستراتيجية لربط القوات الأمريكية في العراق مع نظيرتها الموجودة في البحر المتوسط، ولذلك نستطيع أن نتوقع أن الحكومة الأمريكية تخطط حاليا لتأمين طريق نقل وتموين ولزيادة العمق الاستراتيجي لوجودها في منطقتنا.
وبمجرد نظرة واحدة على الخريطة، لا نحتاج للكثير من الذكاء لنعرف أن أراضي سورية بالنسبة للأمريكيين هي القاعدة الأرضية الأساسية التي يمكن الاعتماد عليها في أي صدام محتمل مع إيران، فهي العمق الاستراتيجي وقاعدة التموين والمراقبة الضرورية لقوات المواجهة المتحشدة في العراق.
ولذلك، أعتقد أن من قصر النظر أن نعتبر أن أمريكا غير مهتمة بأرضنا. ربما تكون غير مهتمة بنا كشعب أو كأشخاص، ولكن أرضنا مهمة جدا لها، ولا تستطيع أن تحقق مخططها في المنطقة بدون أن تكون أرضنا طريقا سالكا وآمنا لها، بدلا من أن تكون شعلة نار تلدع مؤخرتها مثل وضع العراق الآن.
تقودنا هذه المحاكمة ببساطة إلى استنتاج أن المخططين الأمريكيين يعيدون رسم سيناريو احتلال سورية بالاعتماد على تجربتهم في العراق، وعلى المعلومات التي حصل عليها الجنود الأمريكيون الذين زاروا بلادنا بصفة سواح وتفقدوا المناطق التي ربما يحاربون فيها ذات يوم.
الخطأ الأساسي الذي ارتكبه الأمريكان في العراق كان عدم تفكيك قواعد الأصولية الاسلامية قبل إسقاط النظام. وهم يدفعون غاليا ثمن هذا الخطأ، ولذلك لا شك أنهم لن يخطئوا هذا الخطأ في سورية.
وهنا تتقاطع مصالحهم في تفكيك الأصولية الإسلامية مع مصالح السلطة السورية، فقد تنبأنا في مقالة سابقة بعنوان "استراتيجية تسمين الخراف" أن الحكومة السورية تعد العدة لضرب الأصولية الإسلامية عبر عدد من الحروب الأهلية المحدودة والتي يمكن السيطرة عليها ومنعها من الانتشار.
وقد توقعنا في المقالة المذكورة أن المنطقة الوسطى في سورية هي أكثر المناطق استعدادا لإشعال فتائل تلك الحروب المحدودة، وربما تكون هذه المنطقة أيضا أهم منطقة من الناحية الاستراتيجية في سوريا بالنسبة للقوات الأمريكية، ففيها معبر مباشر بين الشرق والغرب لا يمر عبر السلاسل الجبلية شمالها وجنوبها، وفيها عقدة مواصلات ضخمة تضم عدة معابر فوق نهر العاصي، والأهم من كل ذلك أنها المنطقة الأقرب إلى الوسط العراقي.
لا أستطيع أن أتوقع بالضبط كيف ستكون خطة الأمريكان في سورية، ولكنها بدون شك سترتكز على عدد من النقاط الأساسية:
1- إيجاد حلفاء حقيقيين للاحتلال الأمريكي في سورية، لأن نماذج أحمد الجلبي فقدت مصداقيتها.
2- ضرب التنظيمات الأصولية ببعضها وبالسلطة، واستنزاف قوتها قبل أن ينزل أول جندي أمريكي في سورية.
3- جر الحكومة السورية إلى مستنقع العقوبات الدولية لضمان عدم حصول الجيش السوري على أي سلاح أو عتاد متطور، ولتدمير الاقتصاد السوري، ولإظهار أمريكا بمظهر المخلص للمواطنين السوريين.
ما الحل
أعتقد أن الاستراتيجية الأمريكية في منطقتنا تتعرض لثلاثة أخطار:

 

1- الفشل في العراق، وقد تضاءل تأثير هذا الخطر جدا في الفترة الماضية، وأصبح العراقيون بحاجة معجزة لطرد أمريكا من أرضهم.
2- دخول إيران الحرب بضربة استباقية، وهو خيار يبدو أنه يدرس جيدا في إيران، ويبدو بدون شك أن مبرراته قوية بالنسبة للإيرانيين.
3- إفشال المخطط الأمريكي للداخل السوري، مما يطيل كثيرا فترة التحضير للغزو، ويفقد أمريكا أي حلفاء محتملين في سورية.
الخطران الأولان خارج مجال تأثيرنا كسوريين، والرهان عليهما مغامرة غير مأمونة العواقب، ولكننا بالمقابل نستطيع أن نعمل جيدا على إفشال المخطط الأمريكي للداخل السوري، تستطيع سورية مثلا:
استبدال النظام الجمهوري السوري بنظام ملكي ديمقراطي: النظام الملكي الديمقراطي يضمن استقرارا أفضل لسورية بشكل عام، ويعطي للسوريين هامشا أوسع من الحرية وقدرة أكبر على مواجهة التحديات مع بقاء الملك رمزا مقدسا لكل السوريين.
تقوية الوحدة الوطنية: وذلك عبر تفكيك أسس كل الانتماءات التي تبعد السوريين عن بعضهم وعن أرضهم، مثلا مواجهة الأصولية الإسلامية بالعلمانية الحضارية، ومواجهة الانتماءات المختلفة بالانتماء الإنساني، ومواجهة الفكر الإرهابي بالفكر الليبرالي المتسامح، واستبدال نظام الحزب الواحد القائم على الأجهزة الأمنية وقانون الطوارئ بنظام ديمقراطي تعددي يشعر السوريون بالانتماء إليه والاستعداد للدفاع عنه.
التخلص من كل الأعباء التي تعيق دمج سورية مع المجتمع الدولي: مثل مواضيع الإرهاب وحقوق الإنسان والتدخلات الخارجية والتعددية السياسية والمعاهدات الدولية.
تحويل سورية إلى دولة حضارية تتمتع بالاحترام أو بالتعاطف على الأقل من قبل المواطنين العاديين في أمريكا وأوروبا وأستراليا واليابان: وذلك عبر التركيز على معايير النمو والتقدم، مثل عدد الصحف المطبوعة لكل مواطن، وعدد الأسرة في المشافي لكل ألف مواطن، وعدد براءات الاختراع، وغيرها من المعايير.
هل ستسير الحكومة السورية في مسار إفشال المخطط الأمريكي للداخل السوري؟ تقول الأدلة والقرائن أنها مازالت تسير في استراتيجيتها المرسومة منذ 40 عاما. ولكنني لا أشك أبدا أنها تبحث عن سبل لتستمر إلى ما بعد السنوات العشر القادمة، أو على الأقل لتضمن لنفسها في أسوأ الأحوال نهاية أفضل من نهاية الحكومة العراقية البائدة.

الثور الأمريكي قادم، فهل سيهرب النواطير وتقع بقرتنا الحلوب في البئر؟


الأيهم صالح
www.alayham.com
16 أيلول 2004
اللاذقية ـ سورية
يمكن قراءة مقالة "استراتيجية تسمين الخراف" على العنوان التالي
http://www.alayham.com/node/99

المواضيع
الأماكن

دعوة للمشاركة

موقع الأيهم صالح يرحب بالمشاركات والتعليقات ويدعو القراء الراغبين بالمشاركة إلى فتح حساب في الموقع أو تسجيل الدخول إلى حسابهم. المزيد من المعلومات متاح في صفحة المجتمع.