داخي ماصن داخي !؟!؟!

يراودني دائماً المقطع الغنائي الذي يقول:
" داخي ماصن داخي ... أنا منشينخ "
" شتوون كلوبي .... صقلا خليا شمخ ".
فتراني أردده بين الحين و الآخر بشكل لا إرادي يدفع بعض أصدقائي و معارفي إلى النظر إلي باستغراب لسماعهم هذه الكلمات المبهمة و الجديدة على أسماعهم!
عندها , أنظر إليهم فأرى تلك النظرات فأتوقف عن الغناء لاضطر إلى شرح معنى كلمات هذه الأغنية الغريبة.
هذا ما حصل فعلاً معي عندما رافقني أحد الأصدقاء في رحلة سفر من اللاذقية إلى دمشق . أنطلقتُ أغني هذه الأغنية التي استرعت انتباه الصديق واستغرابه من هذه الكلمات المبهمة المغناة !. فاندفع إلى سؤالي عن ماهيتها !.
لِما لا أجيبه ؟ لدينا الوقت الكافي من هنا إلى دمشق . وقت يسمح لي بسرد قصة هذه الأغنية الغريبة على مسامع هذا الصديق .
" لي صديق صدوق ومحب من محافظة الحسكة . أراد أن يوظف قريبه . فسألني عما إذا ما كنت أرغب في توظيف شاب متفرغ رياضي يحمل إجازتي سوق واحدة خصوصية والأخرى عمومية وهو فوق كل ذلك متحمس جداً للعمل .
فعلاً , في تلك الآونة , كنت بحاجة إلى مثل هذا الشاب لمرافقتي في أسفاري و تنقلي بين المحافظات حيث كان عملي يستدعي ذلك بكثرة .
فوافقت على الفور بعد أن أبلغت صديقي من الحسكة بأن على هذا الشاب أن يجتاز مرحلة اختبار لمدة شهر يقرر هو ونقرر نحن بعدها ما إذا كان سيستمر بالعمل أم لا ؟
جاء الشاب في اليوم التالي وبدء يوم عمله الأول .
إنه شاب مهذب هادئ قليل الكلام . لم يكن يتحدث إلا عندما كان يُسأل وإذا تحدث , أجاب باختصار و اختزال .!
يجلس إلى جانبي في السيارة لننطلق سوياً في يوم عمل جديد .
هناك في السيارة , اشغّل الراديو أو المسجل لنستمع إلى نشرة إخبارية من هنا أو هناك أو إلى طقطوقة غنائية من هنا أو هناك أيضاً علّني بذلك اختصر على نفسي قليلاً من المسافة الزمنية للطريق وأكسر رتابته التي كانت تدعو إلى الملل و التأفف.
بعد عدة أيام من عمل الشاب , وبينما كنا نسير بالسيارة على الطريق , أخرج الشاب شريط كاسيت من جيبه الصغير وطلب مني بلطف وأدب أن أسمح له بالاستماع إلى هذا الشريط وقال :" هذه الأغنية أغنية جميلة جداً . وهي باللغة الآشورية .. أريدك أن تستمع إليها وبعد ذلك أرغب في أن تعطيني رأيك فيها ! ".
" داخي ماصن داخي ... أنا منشينخ "
شتوون كلوبي .... صقلا خليا شمخ " إلى آخر ما هنالك ..!!!
عند انتهاء الأغنية , سألني الشاب عن رأيي بها . فقلت له إنها أغنية جميلة فعلاً ولكنني لم أفهم معانيها باعتبار أنها باللغة الآشورية !.
أجاب الشاب أن الأغنية موجهه من شاب إلى فتاة يشرح لها في كلماتها هيامه و غرامه وحالته باللغة الآشورية .
هكذا اعتاد ذاك الشاب على وضع شريط تلك الأغنية في المسجل في كل مرة اعتلينا بها السيارة وانطلقنا نحو العمل أو المنزل أو أي مكان آخر .
كان كلما انتهت الأغنية , أعادها من جديد . فإذا قصرت الطريق سمعناها مرة أو مرتين أما إذا طالت سمعناها عشر مرات أو حتى أكثر !!!
في كل مرة , كنت أراقب الشاب الذي كان يبدأ بحالة من الشرود الذهني مع سماع هذه الأغنية وبذلك كان يبقى دائماً في حالة الشرود هذه لطالما ما برحت هذه الأغنية تتردد وتُعاد من جديد بعد كل انتهاء !!!!
أحسست أن لدى الشاب الكثير من الكلام ليقوله و يشرحه و يبوح به . فأسرعت بدوري ( كما فعل صديقي على طريق دمشق عندما سألني عن قصة هذه الأغنية ) إلى سؤاله عن قصة هذه الأغنية ؟؟
فقال بأنه أحب فتاة آشورية حباً جماً ولكنها أخيراً اضطرت لمغادرة البلد و الهجرة إلى استراليا مع عائلتها و أهلها . وقد انقطعت أخبارها ولم يعد يسمع عنها شيئاً !!!
كان الشاب يعتقد اعتقاداً راسخاً أنه لا يوجد سوى حل واحد ألا وهو السفر و اللحاق بالحبيبه للم الشمل من جديد . حينها فقط يهدأ البال وتسكن الروح ويهنأ القلب !!
لقد كان حلمه الحقيقي والنهائي السفر إلى استراليا حيث تقيم حبيبته منذ آونة . حبيبته التي اتصلت به أخيراً وبعد انقطاع طويل لتخبره برغبتها في مجيئه إلى استراليا حيث تنتظره هناك .
فقلت له :" لماذا لا تذهب إليها إذن ؟ "
قال بأنه يحتاج إلى بعض المال ليتمكن من تدبير تكاليف السفر و نفقاته والحصول على رأسمال صغير للبدء بعمل ما في القاره الجديدة !!!
مرت الأيام على وجود الشاب الذي لم يتخل عن سماعه الأغنية التي ذكرته دائماً بحبيبته التي لن ينساها !
في إحدى المرات , قام الشاب بتشغيل المسجل . وفي بداية المقدمة الموسيقية , أقفلتُ المسجل و نظرت إليه دون أن أنطق . كان الشاب ينظر أيضاً إليّ بعجب متسائلاً بينه وبين نفسه عن سبب قيامي بهذا الأمر ؟؟؟
حينها , انطلقتُ أغني الأغنية المشهورة بكل مهارة و تقنية وقدرة من أولها إلى آخرها دون أن ينتابيني شعور بالتردد حيال أية كلمة من كلماتها أو أي مقطع موسيقي من مقاطعها .
بقي الشاب ينظر إلي بعجب و استغراب شديدين لما سمعه من غناء ولّد عنده السؤال الكبير الذي وجهه إلي حينما قال :" دكتور , طلعت بتعرف تحكي آشوري وما بتقلّي !!!!!".
قلت له:" لا أيها الشاب , ولكنك لو جمعت المرات التي اسمعتني بها هذه الأغنية لوصلت إلى العشرات بل و المئات منها . وهذا العدد يكفي لأن أحفظ عن ظهر قلب ليس أغنية آشورية فقط بل, صينية و هندية و روسية ... أيضاً !!!".
لم يصدق الشاب ذلك وأصر علي بأنني استطيع التحدث باللغة الآشورية ولكنني ( حسب رأيه) أنكر ذلك على نفسي . وظل ثابتاً على رأيه هذا حتى ساعة مغادرته العمل عندي !!!.
طبعاً , أصبح الشاب اليوم في استراليا . لم أسمع موخراً شيئاً عن أخباره ولكني اعتقد أنه تزوج من الفتاة التي أحب . ولكن الشيء الذي لست واثقاً منه حتى الآن , ما إذا كان لا يزال يعتقد حتى الآن بأنني استطيع أن أتحدث بالآشورية !!!!!.
لقد غادر الصديق الآشوري بلده الأصلي سورية كما فعلت من قبل الأغلبية الساحقة من هذه الأقلية الآشورية الأصيلة التي عاشت على أرض سورية قبل آلاف السنين!!!
هاجر الشاب ولم يترك وراءه سوى مقطع صغير من أغنية جميلة تقول :
" داخي ماصن داخي .... أنا منشينخ "
" شتوون كلوبي .... صقلا خليا شمخ" !!!!!
و قلادة صغيرة نقش عليها الأسد المجنح . أسد آشور بنيبال .


[ تم تحريره بواسطة دريد الأسد on 23/12/2006 ]

[ تم تحريره بواسطة دريد الأسد on 23/12/2006 ]

المنتديات

الردود