ملامح الإعلام الاجتماعي المقاوم في سوريا

 منذ بضعة أيام، ومع توارد الأخبار عن مشاكل في المنطقة الشرقية، سألت صديقا من الحسكة عن مصدر أخبار يثق به عن تلك المنطقة، فأرسل لي هذه الصفحة

https://www.facebook.com/QA.AA.RA.NN

أول ما لاحظته عن هذه الصفحة أنها لا تكرر الأكاذيب التي تطلقها مافيا الإعلام الرسمي، فلا وجود لأكاذيب عن اغتيال مسؤولين صهاينة في أماكن مختلفة من العالم، ولا أخبار عن مجسمات في هوليوود أو بوليوود نقلا عن مخابرات ما، ولولا بعض الأكاذيب التي تسللت إلى الصفحة منقولة عن مصادرها الأصلية لكانت شبكة إعلامة اجتماعي مميزة.

ترفع هذه الصفحة شعار "عاشت سوريا عاش الأسد" وهو الشعار المشترك الذي ترفعه أغلب الصفحات المرتبطة بشبكة دمشق الإخبارية التي أسسها الإعلامي المقاوم عمار اسماعيل. تضم شبكة دمشق الإخبارية عددا كبيرا من الصفحات المحلية الموزعة على كل أنحاء سوريا، ومنها صفحات مغرقة في المحلية تركز على شارع أو قرية، إضافة إلى صفحات بالعربية والانكليزية والفرنسية والروسية، وكانت أول شبكة مقاومة تصدت للمؤامرة التي تستهدف سوريا.

تعمل شبكة دمشق الإخبارية عبر مراسلين محليين لا يصرحون بأسمائهم الحقيقية، ولم يعرف منهم باسمه الحقيقي إلا عمار اسماعيل وبضعة شباب آخرين، وجميعهم مطلوبون من الجيش الحر حاليا. لكل مجموعة مراسلين صفحة خاصة ينشرون عليها ما يشاهدونه، ويخاطبون عبرها مجتمعهم الصغير. لا ينتظر المراسل موافقة أحد لنشر ما يراه أو الأخبار التي يتأكد منها بطريقته الخاصة. ويتبادل المراسلون الأخبار التي ينشرونها حسب رغبتهم الخاصة، نقلا عن بعضهم، بدون أية تعليمات مركزية، فيعززون بذلك حضور كل منهم لدى جمهور الآخر.

بنظرة عامة من الأعلى، تبدو هذه الشبكة لامركزية ومكونة من وحدات إعلامية مستقلة لا تتبع أية قيادة مركزية، وقد صممت بهذا الشكل لتحافظ على وجودها في حالة تعرض جزء منها للاختراق أو التوقف. وباستخدام هذه البنية التنظيمة والإدارية، تمكنت شبكة دمشق الإخبارية من تأسيس إعلام اجتماعي مقاومة من قلب المناطق التي سيطر عليها الإرهابيون، مثل جسر الشغور أو حمص أو الرستن، وفي أيام استعار المشاكل في هذه المناطق، قامت الشبكة الكبرى كلها بنقل الأخبار الموثوقة من مراسلين ميدانيين في قلب الأحداث، فكسبت بذلك مصداقية كبيرة في الفضاء الافتراضي الذي تُضَخ فيه يوميا كميات كبيرة من الأكاذيب لإلهاء الناس عن معرفة ما يجري على أرض الواقع.

إضافة لشبكة دمشق الاخبارية، هناك ما أسميه "مافيا الإعلام الرسمي" وهي مجموعة صفحات إخبارية مؤيدة للنظام، وتدار بشكل مركزي كما يبدو بنفس طريقة إدارة الإعلام الرسمي. تتميز هذه الشبكات أن لديها تقنيات عالية لا تتوفر لناشطي شبكة دمشق الإخبارية، وتنتج يوميا كمية هزيلة من المحتوى الالكتروني نقلا عن الإعلام الرسمي وعن قناة الدنيا وقناة العالم الإيرانية. وتنقل الكثير من أخبارها الميدانية من مراسلي شبكة دمشق الإخبارية والشبكات المرتبطة بها، كما تبث بعض الأخبار الخاصة بها. ومن متابعتي لهذه الشبكات فقدت كل موادها الخاصة أية مصداقية لدي لكثرة ما نشرت من ترهات وأكاذيب أو مواضيع تافهة لا علاقة لها بما أحتاج معرفته، وبالنسبة لي، فهذه الشبكات إعلام مضلل مثل الجزيرة والعربية.

وفي الأشهر الأخيرة تعرضت شبكة دمشق الإخبارية لكمية كبيرة من الضغوط من مافيا الإعلام الرسمي، وهو أمر طبيعي كالصراع بين الكذب والحقيقة، أو بين الجهل والتنوير، ووصل الصراع إلى قمته بإيقاف شبكة دمشق الإخبارية بقرار سياسي، وهو ما قد يكون مقدمة للضغط على المراسلين المحليين لها للتوقف عن نشر أخبارهم الميدانية و المشاركة في حملات التضليل.

توقفت شبكة دمشق الإخبارية أكثر من أسبوع، ولم يتأثر الإعلام المقاوم، فقد تابع المراسلون عملهم في شبكاتهم كأن شيئا لم يكن، مركزين على الأخبار الميدانية والموثوقة ومبتعدين عن الصراع بين دمشق الإخبارية ومافيا الإعلام الرسمي، ويمكنني أن ألاحظ أن طريقة تصميم الشبكة المقاومة أثبتت نجاحها، فحتى عندما تم ضرب أقوى عقد الشبكة بالتزامن مع أكبر ضربة على سوريا، صمدت الشبكة وتابعت نشاطها بنفس الطريقة. وهو أمر بحد ذاته يستحق التحية والإعجاب.

تجربة عمار اسماعيل ورفاقه تمثل تجربة إعلام وطني ناجح في سوريا، وككل المواطنين السوريين، هؤلاء الشباب مهددون من قبل إرهابيي الجيش الحر، ومعرضون للضغوط والتخوين من قبل مافيا الإعلام الرسمي.

الأيهم صالح