قصيدة للرماد... وما تبقّى

يدخل سراديب البوح ِ مختبئاً بوقاره , متخفّيا ًوراء بضع ِ شعيرات ٍ بيضاءَ باغتته قبل أن يحزم َ حقائب َ الربيع . تتعالى اعترافاته ُ وتضجّ ُ احتفالاته الصوفية ُ على الورق , فيتردد ُ صدى قصيدتُهُ حارا ً حرارة َ استلابه ِ ... , متناثرا ً يعانق ُ آذان َ الجمهور ِ , يخترق ُجدار َ الروح ِ عند كلِّ هذه الوجوه , ِوفي كلِّ وجه ٍ حكاية , وحكايتُها أقدم ُوأشهى من كلِّ الحكايا .

ليست في الصفوف ِالأماميةِ , لكنها أبدا ً أمامَ كلِّ أشيائه ِ, تتهادى بصمت ٍ يزلزله ُ , يتخيّل ُ فيه صمت َكِبَرِ العشق ِ, فكثيراً ما أخبرها : أجمل ُ الكلام ِ ما لم يقال ْ , وكانت تجيبه ُ بصمت ٍ متآمر ٍ: وما لن يقالَ .

ما زالت ْ تلبَسُ الرماديَّ كصمتها , وما زالَ مصرّا ًعلى ارتدائها محاولة َدفء ٍفي صقيع صباحاته ِ الخريفيّة , وأبيض ُ نظرتها يشرأبُّ رغم َ الحرائق ِ متحدّيا ً أتون َالبعاد ْ.

كانت تحدّق ُ في ظلال ِ الكلمات ِ وبين أوراقهِ وبينها مسافة ٌ تصغُرُ وتكبُرُ حسبَ مساحة ِ الإيماءات ِ في قصيدتِهِ . مسافة ُانتهت ْلحدود ِالالتصاق ِلحظةَ تحشرجَ صوتُهُ في كلمةِ – أحبك ِ - , وامتدّت يدُهُ لكأس ِالماء ِعلى المنبر ِيستجدي الانقاذَ من رحلة الغوص ِفي قعر عينيها , ليعود َمن رحلته ِمع شربة ِالماءِ خطيبا ً وقورا ًيحكي عن أرض ٍ مسلوبة ٍيحبّها ويشتهيها . ولولا أنه يشتهيها , لرضي َ خوفُها أن تكونها بتفاصيلها .

هل جاءت ْ تبحثُ عن نفسِها بين فواصِلِهِ ؟ , أم لتثبِّتَ بصْمَتَها نقطة ً على آخر ِ كلِّ سطر ,

....وطالما أرادت نفسَها معهُ إشارات َ استفهام ٍ لا تنتهي ؟ .

حشرها حياؤُها في الصفوفِ الأخيرة ِفي الصالة ِ , حيث اشتعل َمقعد ٌ عرِفَ من وهجهِ أنهُ يحتويها مع ظلِّ الحكاية . وضباب ُ كلِّ الوجوه ِالمستمعةِ انقشع َ عن نورانيّة ٍ مألوفة ٍلديه ِمنذ اللحظة ِالتي قَرع فيها أبواب َالحُلُم ِعلى أعتاب ِ قدسيّتِها , تسرقهُ من حلمهِ قرارات ُ كم لوّحت ْ وما زالت ْ تلوّح ُ بها أمام َ اختراقِهِ لهالتها .

 


يا استحالةَ الموت ِبين يديِّ دفئِكِ ,

يا استحالة َالبردِ في غمر ِعيونِكِ ,

يا .... ,

وتستمرُّ الشفاهُ دوائرا ً, خطوطاً متباعدة , تتلاقى ..تتباعد , تدور ُفي فلك ِلفظ ِكلمة ٍأرادها ..

خافها , ففضّلَ توريتَها رمزاً ..ظلا ً يشير ُ مع اتّجاه ِيده ِ للحضور - إن أرادت – إليها .

هو القابض ُ على اللحظة ,وكلُّ ما حصل عداها ظلال ٌ للحقيقة ِ, يرمي عليها بانفعاله ِظلالَ عشتار َ الخصب ِ؟ أم يدعو عشتار َلاستعارة ِ بعض ِ الدفء ِ من عينيها وقدسية ُ تموزها بداخلهِ حقيقة ُ يحتارُ بها ؟ . يحملُ الحالة َ.. الحقيقة َ , يبحثُ في انتحار ِ كلماته ِعن إطار ٍ للشغفِ , يفتّش ُ القواميس َ وتبقى هي كما هي , عصيّة ُ على أيّ مفردة ٍ , وأكثرُ اسطورية ً من أيّ صورة ٍ , فيلجأ مجدداً للسوريالية بالرسم ِعلى الصفحات ِو عسى يتاحُ له رمزاً يعبّرُ عن نسمة ٍحبلى برائحة ِ زهرِ الزيزفون ِ, لمست قلبَهُ فأقامت فيه ِ إعصاراً ...مخاضاً طويلاً لزهر ٍلا يثمرُ إلا الهروب ْ.

أومأتْ أرضي َ للوهج ِ أن يخبو

خافتْ نارَ ما قبلَ الرماد ْ,

أولمتْ للحزن ِ يأتي قبلَ البعادْ....

يبعد ُ شبحَ الاستلاب ْ,

ينزلهُ عن القمّة ِ ,

ففي قمتهِ موطىءُ أول ِ خطوة ٍ

على درب ِ الرحيل .

......
.....

أرضي استباحها اليأس ُ,

أرضي تركتُها في غفلتي تحرق ُمواسمَها

على مقصلة ِ الخوف ِ.

مع الجمهور ِ يشتدُّ تصفيقها هاوية َ الارتياب ِ , ولأنها انحشرت في آخَر ِمقعد ٍفي الصالة ِ, فقد كانت أوّلَ المنصرفين َحين تحررت ْ يدُهُ منَ وعيهِ وامتدّت لتشير َ إليها بسهم التعيين ِوالاتهام ِعند لفظهِ كلمة َ – الخوف - , ومع وصولِها لباب ِ الخروج ِ, انتهت قصيدَتُهُ – أو ابتدأت – بأن ترك الأوراقَ مخذولة ً على المنبر ِ, ومدّ يديه ِ الاثنتين ِ مستسلماً ليشيرَ إلى طيفَها المنسحب ِمع لفظة ِكلمة ِ حُلُمْ .

17/1/2006
- وصال -
المواضيع

الوسوم

التعليقات

دعوة للمشاركة

موقع الأيهم صالح يرحب بالمشاركات والتعليقات ويدعو القراء الراغبين بالمشاركة إلى فتح حساب في الموقع أو تسجيل الدخول إلى حسابهم. المزيد من المعلومات متاح في صفحة المجتمع.