أفكار من العالم الآخر 8: التخفي على الإنترنت

بعد انتقالي إلى العالم الآخر لم تعد تصلني أسئلة كثيرة كما كان الوضع في السابق، وأغلب الأسئلة التي تصلني تتعلق بإعلام الأزمة، وأجوبتي عليها جزء من مقالاتي المنشورة سابقا. بالأمس وصلني سؤال من نوع مختلف. شخص يريد أن يتخفى تماما على موقع فيسبوك بحيث أن فيسبوك لا يعلم بمكان وجوده. جوابي كان أن هذا غير ممكن عمليا، ففيسبوك يعرف عن مستخدميه ما لا يعرفونه عن نفسهم، وهو أحد تقنيات التجسس الأكثر تطورا في العالم كله، فيسبوك يعرف عنك أكثر من عنوان أي بي على حاسبك، هو يعرف المنطقة الزمنية على جهازك،  ويعرف اسم شبكة الواي فاي التي تستخدمها، وإذا تمكن من هاتفك فهو يعرف رقم هاتفك وسجل محادثاتك وأرشيف رسائلك وكل العناوين وأرقام الهاتف المسجلة عندك وأرقام بطاقة ائتمانك. باختصار، فيسبوك يعرف كل شيء عنك ولذلك لا يمكن أن تهزمه ببساطة، وأفضل حل للتواصل مع أشخاص آخرين بدون أن يتجسس عليك فيسبوك هو أن تتواصل مع الآخرين بدون فيسبوك على الإطلاق.

حتى لو لم يكن فيسبوك وليد برنامج  Lifelog الذي أطلقته وزارة الدفاع الأمريكية عام 2003 وهدف إلى  تطوير تقنيات لأرشفة كل شي يفعله أي إنسان في حياته بطريقة قابلة للاسترجاع بشكل لحظي، فهناك أدلة عديدة على فيسبوك منصة تجسس على الناس، منها قضايا المحاكم الأمريكية التي قدم فيها فيسبوك معلومات أدت إلى تحديد شخصيات أشخاص واعتقالهم، ومنها اعترافات مدير فيسبوك أمام الكونغرس الأمريكي عن أن فيسبوك يجمع معلومات عن المستخدمين لا علاقة لها باستخدامهم لفيسبوك. ومنها قصة شركة كامبريدج أناليتيكا التي  استخدمت معلومات جمعها فيسبوك للتلاعب بالانتخابات الأمريكية. بعد كل هذه الأدلة على حقيقة فيسبوك، هل هناك من يعتقد أن فيسبوك مجرد شركة تقدم خدمة وتبيع إعلانات على هذه الخدمة؟

ما يقال عن فيسبوك ينطبق أيضا على الشبكات التي يملكها فيسبوك، وعلى رأسها واتس أب وإنستاغرام. هذه أيضا جزء من منصة التجسس العملاقة التي يديرها فيسبوك، وإذا أضفت إليها الأدلة عن علاقة تويتر مع المخابرات الأمريكية، وعلى أن محرك بحث جوجل هو أحد مشاريع وزارة الدفاع الأمريكية أصلا، تماما مثل فيسبوك، فستتضح لدينا الصورة الكبرى عن العالم الجديد. إنه عالم يقبل الناس فيه التجسس عليهم ويسلمون معلوماتهم طوعا لأشخاص لا يعرفونه ليمكنوهم من التحكم بهم أكثر وأكثر.

هل يمكنك أن تنجو من هذه الشبكة التجسسية؟

جوابي المختصر هو لا، ولكن الشرح يطول. فكرتي الأساسية أن هدف النجاة من التجسس أصلا هدف غير واقعي، ولذلك لا يمكن تحقيقه. التجسس موجود منذ قديم الزمان ودائما كان هناك من يتجسسون على الآخرين ويجمعون معلوماتهم. في هذا العصر أصبحت التقنيات متوفرة بكثرة، واصبح للتجسس انواع جديدة ولكن بالنسبة للإنسان العادي لم يتغير شيء، فهو مازال معرضا للتجسس ولكشف معلوماته كما كان سابقا. وفي هذا السياق أذكر أن أول مقالة نشرتها على الإنترنت عام 2000 كانت بعنوان: "التجسس على الأفراد على الإنترنت https://alayham.com/node/6".

السؤال الذي يمكن طرحه هنا هو ما ذا يمكننا أن نفعل لنحمي نفسنا من تأثير من يتجسسون علينا في هذا العصر.  هذا موضوع مهم جدا بالنسبة لي حاليا، ويسعدني جدا أن أناقشه مع زوار موقعي، وسأكتب عنه لاحقا.

الأيهم صالح
08 تموز 2018