أفكار من العالم الآخر 9: اليمين واليسار في سلة واحدة

منذ طفولتي وأنا أسمع أن لا فرق بين العمل والليكود في اسرائيل، ولا فرق بين العمال والمحافظين في بريطانيا، ولا فرق بين الجمهوريين والديمقراطيين في أمريكا. رغم الخلافات الايديولوجية التي يدعي كل فريق أنها تميزه عن الفريق المنافس، فكلا الفريقين يعملان بنفس السياسة ويخدمان نفس الأهداف.

والآن وبعد انتقالي إلى العالم الآخر بدأت أرى أنه حتى الخلافات الإيديولوجية بين هذه الفرق هي مجرد بروباغاندا، أو كلام فارغ يقال في مناسبات محددة ولا يعكس حقيقة نيات وأفعال الناشطين في الاحزاب اليمينية واليسارية. فالخلاف الثقافي والإيديولوجي بين اليمين واليسار لا يميز بينهما إذا كان كلا الفريقين يعملان لنفس الأهداف، وكل من منطلق ايديولوجي مختلف.

شاهدنا ذلك تاريخيا في سوريا عندما تحالف شيوعيو رياض الترك مع خونجة مروان حديد في ثمانينات الفرن الماضي، وعندما انتمى منظروا اليسار السوري إلى ثورة الخونجة والوهابيين بقيادة اليهودي برنارد ليفي، وعندما انشق بعض عتاة البعثيين واعلنوا انتماءهم الخونجي. ما الفرق بين صادق جلال العظم وأبو علي خبية إذا كان كلاهما يعملان لنفس أهداف برنار ليفي، وكل بطريقته.

وفي العالم الآخر أشاهد ما يشبه ذلك الاتفاق على النتائج بين اليمين واليسار حاليا في ما يبدو أنه صراع ثقافي على حرية التعبير بين اليمين واليسار في أوروبا وأمريكا. اليسار يريد قمع الآراء التي لا تروق له، فيطالب بمزيد من السيطرة على حرية التعبير، فيرد اليمين بالمطالبة بالمزيد من سيطرة الدولة على وسائل التعبير معتقدا أن الدولة معنية بحماية حرية التعبير، وهكذا يعمل كلا الفريقين على تعزيز سيطرة الدولة على المجتمع وعلى قمع الآراء المخالفة.

وخلال الفترة الماضية شاهدت كيف تمت إدارة الاستقطاب بين اليمين واليسار في أمريكا عبر قصة أليكس جونز وتفاعلاتها https://alayham.com/node/4059، وكيف تتم إدارة الاستقطاب بين اليمين واليسار في العديد من الدول الاوروبية قبيل الانتخابات لتوجيه الرأي العام إلى طلب المزيد من سيطرة الدولة على المجتمع. أنا أرى أن ما يحصل هو عمليات هندسة اجتماعية تستغل أفكار الناس لتوجيههم نحو طلب المزيد من سيطرة الدولة عليهم.

ما ينساه المنساقون وراء عمليات الهندسة الاجتماعية هذه هو أن خلافهم في الرأي كان مقبولا منذ بضعة سنوات، وكانوا ينتاقشون بحرية وبدون تدخل من أحد ولم يكن أحد يشكل تهديدا للآخر.وأن اعتقادهم أن الآخر يريد أن يعتدي عليهم هو اعتقاد زائف ونتيجة مباشرة لعملية هندسة اجتماعية، وأن النتائج التي يسعون إليها لا تخدم مصالحهم بل مصالح من يديرون الهندسة الاجتماعية.

التهديد الحقيقي لليمين واليسار هو الهندسة الاجتماعية التي تضع كلا منهما في مواجهة الآخر، وإذا لم ينتبه مثقفو اليمين واليسار إلى أنهم ضحايا لعملية هندسة اجتماعية، وليسوا قادة رأي عام، فهم سيقودون مجتمعاتهم إلى مزيد من الاستقطاب، وسيجعلونها مهيآة للانفجار عندما يقرر مهندسو المجتمعات تفجيرها.

الآيهم صالح