محمود عنبر: على أطلال الإستراتيجية المعلوماتية

على أطلال الإستراتيجية المعلوماتية
م. محمود عنبر
manbar@scs-net.org
مجلة ابيض وأسود
العدد 194



على أية أسس سيتم تقييم الخطوات التنفيذية بعد غياب الإستراتيجية المعلوماتية عن المعادلة، وكيف يمكننا استقراء الإستراتيجية الجديدة، ومامدى خطورة غياب الاستراتيجيات عن أعمال التطوير.

تحدي التغيير:
لا ننكر وجود تحديات كبيرة لأي عملية تغيير، وأن هذه التحديات لا يمكن مواجهاتها بالإبقاء على آليات العمل القديمة، إلا أنه أيضاً من الخطورة بمكان غياب الآليات القادرة على إدارة التغيير بطريقة تضمن أن التغيير يتم في الاتجاه المرغوب به من جهة، وأن التغيير يؤدي لتحقيق أهداف محددة مسبقاً، وفي غياب هذه الآلية نعتقد أن التغيير لن يكون قادراً على تحقيق أهدافه، وقد يؤدي لخسائر تتجاوز المكاسب، وهنا تكمن خطورة غياب الاستراتيجيات عن معادلة التطوير.

هل غابت الإستراتيجية المعلوماتية:
أعتقد أنني كنت من أوائل من حذروا من ضرورة اعتماد مسودة الإستراتيجية المعلوماتية من قبل مجلس الوزراء، وهذا الأمر لم يحصل، والنتيجة الآن هو أننا أمام خطة خمسية غير منسجمة مع الإستراتيجية، ومع خطوات تنفيذية لا تتطابق بالضرورة مع الخطة الخمسية أو مع الإستراتيجية، ولهذا لا أعلم ما هي المرجعية الحالية التي سنناقش الأمور استناداً إليها، ولكنني أجد نفسي مضطراً إلى القفز فوق الإستراتيجية المعلوماتية التي دار الحديث عنها قبل سنوات، وذلك كون اعتبارها مرجعاً لما يحصل لم يعد أمراً واقعياً، وبالتالي سنناقش الأمور بطريقة مشابهة لطرق مناقشتنا لها قبل أن توضع الإستراتيجية المعلوماتية قيد التداول.

في مجال تقانات المعلومات:

 

رغم عدم حصول الكثير مؤخراً في مجال تقانة المعلومات، إلا انه لابد من التذكير بأهمية النظر للواقع المحلي عند التفكير بأي اختراقات محتملة، وعلى هذا الأساس فإن الشركات المحلية التي بذلت جهوداً استثنائية لبناء نفسها خلال السنوات الماضية، والتي تصلح كنواة لصناعة برمجيات ( مازلت أرى أنها قد تكون أحد مقومات تميزنا )، لا يمكن أن تستمر عملية تجاوزها وإغلاق سوق القطاع العام( الأكبر) عنها، وذلك بغض النظر عن التسميات والمبررات التي يتم استخدامها منذ عدة سنوات، وإنني أخشى من أن يستمر الوضع الحالي إلى اللحظة التي تصرخ فيها شركات صناعة البرمجيات وتتخذ قراراً بالخروج من السوق السورية، فعدم وجود فر ص عمل للأفراد يبين أن السوق المعلوماتية هي في حالة انكماش، وربما ستجد الشركات المحلية أن بقاءها في السوق المحلية لم يعد مبرراً، وعندها سندفع الثمن أضعافاً مضاعفة، أما الاتجاه المقترح والمتعلق بإنشاء شركة برمجيات ضخمة تكون المورد الرئيس لمؤسسات القطاع العام، وتؤمن فرص عمل للخريجين، فأعتقد انه توجه غير واقعي، ويعتبر بمثابة تبادل غير مدروس للأدوار بين الحكومة والقطاع الخاص، وهو بمثابة تأجيل لمواجهة المشكلة الحقيقية على حساب القطاع الخاص، وأعتقد أن كافة الأطراف ستكون خاسرة في نهايته.
وفي مجال الإنترنت:
إن موضوع الإنترنت في سوريا ذو شجون، وأعتقد أنه محصلة لفشل مجموعة من السياسات التي وضعت عبر السنوات الماضية، وأعتقد انه هناك شبه إجماع بأن قطاع الإنترنت في وضع غير مقبول، ولابد من إجراءات استثنائية في هذا المجال.
رغم الاتفاق على توصيف المشكلة، نعتقد بوجود خلافات جوهرية حول طرق معالجتها، وقد كانت هذه النقطة موضوع جدل كبير في الأشهر الأخيرة، ومثار عديد من الملاحظات على بعض النشاطات والأخبار والإجراءات والمبادرات المتعلقة بالموضوع، ونعتقد أن النقطة الأهم في مجال الإنترنت تكمن في تنظيم طرق استخدام البنية التحتية وفي تنظيم تقديم الخدمة و تقديم الخدمات المضافة، وآليات تبادل المعلومات والخدمات بين الجهات المختلفة، وهنا اعتقد أنه علينا التوضيح إلى أن أي تعامل تفضيلي لإحدى الشركات سيؤدي وبشكل تلقائي لخروج باقي المزودين من الخدمة، والتعامل التفضيلي قد لا يكون عبر قوانين خاصة وإنما يكفي غياب القواعد الناظمة لتتفوق الشركة ذات الحجم الأكبر، وذات الأقنية الأكثر وتقضي على كافة منافسيها، دون أن يؤدي ذلك لتقديم خدمات أفضل للمواطن، وبالتالي فما لم يكن هناك قواعد واضحة ومحددة في مجال الإنترنت ( بنى تحتية – خدمات مضافة – شروط خدمة- تبادل خدمات)، فإن أي حديث عن تطوير الإنترنت سيكون غير جدي، وسنعود مرة أخرى من حيث بدأنا.
الإستراتيجية أم التاريخ المعلوماتي:
أعتقد أن البديل لعملية إحياء الإستراتيجية المعلوماتية سيكون قاسياً، فإن عدم إحياء الإستراتيجية المعلوماتية واستمرار فرض التغييرات على الأرض، سيعني أن الإستراتيجية المعلوماتية سيكتبها خبراء التاريخ بدلاً من خبراء تقانات المعلومات والاتصالات، ومن المعلوم أن خبراء التاريخ لا يحكموا على الأمور إلا بنتائجها، وبالتالي سيكون حكمهم على أسباب ومبررات عدم قدرتنا على ردم الفجوة الرقمية والبقاء خارج مجال اقتصاد المعرفة قاسياً، ولن يحاولوا حتى أن يبرروا أخطاءنا طالما أننا لم نحاول أن نعلن مالذي نحاول عمله، وربما علينا التذكير بسرعة تنامي دور قطاع تقانات المعلومات والاتصالات في مجال التنمية على المستوى العالمي والإقليمي، وبالتالي فإن قراءة تجربتنا بعد عشرة سنوات من الآن ربما تكن أكثر تأثيراً، وسأحاول في الفقرة القادمة استقراء مقدمة النص التاريخي المتوقع.
تاريخ التجربة المعلوماتية السورية:
رغم أن سوريا كانت الدولة العربية الأولى التي طرحت برنامجاً لنشر المعلوماتيةً، ورغم امتلاكها للطاقات البشرية عالية التأهيل، ولاستفادتها من الطفرة النفطية التي حصلت في السنوات السابقة، فقد هدرت سوريا هذه السنوات، ولم تتمكن من ردم الفجوة الرقمية أو من إنشاء صناعة متقدمة في مجال تقانات المعلومات والاتصالات ( لأسباب غير مفهومة حتى الآن)، وهي تعاني الآن من نضوب النفط وحاجتها لاستيراد النفط ( بالإضافة لمواد أخرى ضرورية للتنمية) دون أن يكون لديها موارد كافية، فإنتاجها الزراعي ( رغم وفرته) يرى منافسة كبيرة من دول متعددة تمتلك وفرة في مزروعاتها، أما صناعتها فما زالت بعيدة عن تحقيق القدرة التنافسية اللازمة، وقد أثر ضعف قطاع تقانات المعلومات والاتصالات على قدرة تطوير الصناعة السورية، كما أنها لم تتمكن من تحويل اقتصادها ( ولو جزئياً) إلى اقتصاد معرفي، وهذا أدى لانخفاض دخل الفرد مقارنة مع الدول المجاورة، وزيادة نسبة الفقر، وقد لعب هذا الواقع دوراً في انخفاض واردات الخزينة وعدم القدرة على تأمين شبكة أمان اجتماعي للمواطنين....

وختاماً نود التأكيد على ضرورة إحلال النهج التشاركي في عمليات التغيير، فالتغيير عملية معقدة ولا يمكن لأي جهة أن تقوم به بشكل منفرد، مهما كبرت مواردها، فالقضية مرة أخرى لا يكفي أن تقاس بسرعة التغير فقط وإنما باتجاهه أيضاً.
المواضيع

الوسوم

الأشخاص
الأماكن

دعوة للمشاركة

موقع الأيهم صالح يرحب بالمشاركات والتعليقات ويدعو القراء الراغبين بالمشاركة إلى فتح حساب في الموقع أو تسجيل الدخول إلى حسابهم. المزيد من المعلومات متاح في صفحة المجتمع.