وداعاً عبد الرحمن منيف

كقارئة متّعت فكرها بقلم الكاتب عبد الرّحمن منيف و أيقظت من نقوش كلماته ما غاب عنها من تداخلات العصور الآنفة و ما نشهده الآن من أحداث متسارعة .. أحسست أنّي مدينة لهذا الروائي الرّاحل بعبارة تقدير و إجلال لكنز نَثره من ورائِه لعلَّه يصل إلى الأقلام الحرّة فيضيء لها ما تبقى من طريق الصحوة .

لكني كمبتدئة على طريقه المشرئبّ بشرق المتوسط وأرض السواد .. فبالكاد أوازن بين الكلمات و الأفكار المتزاحمة فأحياناً يعجز قلمي عن تصويغ أبلغ العبارات أو غالباً يتوه عن أفضلها .. فمن أين أبدأ .. أمن ذلك الطائر المهاجر الذي ترك موطنه ناشداً موطناً أكبر خاليا من تلك الرسوم الجغرافية التي أسموها حدودا .. توحَّدت في شخصه رمال نجدٍ مع فرات العراق قبل أن يوحِّدهو بقصصه و رواياته قلوباً و أفكاراً طالما كان حلمها و تطلّعها أبعد من مجرد أوراق تثبت الهويّة العربية ؛ فبات الحلم موضعاً للألم .

 

من بين الكثبان الذهبية التي تسلب بجمالها لبّ العاقل .. استسقى الكاتب عبدالرحمن منيف خلاصة التاريخ و ما أبدعه أسلافنا و لكن للأسف ما تاه عن حكماء عصرنا. فعاصر الواقع بمرِّه و لم ينشد خيالاً يتوارى خلفه و يلهي به قلمه عن رسالته .. فرحل ينقِّب عن آلآم الأمة .. فكانت البدايات في قلب شرق المتوسط ..أرض الأنبياء و الصحبة الطاهرة .. فعانى قلمه مع أهل فلسطين و نزف مع شهدائها ... و استصرخ الضمائر اللاهية حتى شهدت له أحجار المدينة القديمة فأمسى يغنّي لقيود الأقصى ..

لم ينحصر مداد الحبر في أوراق القدس بل حمل هموم الأحرار خلف القضبان الواهية و المحرومين من ظلال الوطن .. حرّك المياه الراكدة قبل أن يهجرها الزمن فكانت بصماته في تاريخ الأدب تنطق بالحقيقة التى تجاهلها الكثيرون أو نمّقوها فلم تعد مؤلمة إلا لمن قرأ سطوره و غاص في هوامشه التي فاضت برؤى صادقة لواقعنا المعاصر.

رحل كاتبنا و أبقى على قلم صاخب لم يملّ الكتابة ينتظر ولادة عبد الرحمن منيف آخر . فوداعا عبدالرحمن منيف و عذرا لتأخر الكلمات فقد تاهت قبل أن تجد الطريق من جديد .
المواضيع
الأماكن

دعوة للمشاركة

موقع الأيهم صالح يرحب بالمشاركات والتعليقات ويدعو القراء الراغبين بالمشاركة إلى فتح حساب في الموقع أو تسجيل الدخول إلى حسابهم. المزيد من المعلومات متاح في صفحة المجتمع.