سورية 2006 : الاصدار السوريالي

سورية 2006 : الاصدار السوريالي

حكم البابا



لو وقف أي مدع عام أو قاض سوري أمام ضميره لحظة قبل أن يوجه تهمة إلى ميشيل كيلو، فلن يجد تهمة مناسبة للرجل الموجود الآن في أحد فروع المخابرات السورية أكثر من حب سورية، وإذا كانت هذه تهمة تستوجب أنواعاً مختلفة من الأحكام القاسية أو المخففة قياساً لدرجة هذا الحب، فإن ميشيل كيلو يستحق -بحسب معرفتي بدرجة حبه لسورية- حكماً بالمؤبد أو الاعدام.

 

ما يحدث في سورية اليوم هو تطبيق عملي للأفكار السوريالية، يتجاوز خيال سلفادور دالي، فبينما توضع الشروط التعجيزية لمثول ضابط مخابرات مثل رستم غزالة أمام لجنة التحقيق الدولية، وتجري مفاوضات شاقة (لو أرهقت سورية نفسها بمثلها حول الجولان لكانت استعادته) من أجل تأمين استجواب مرفه له في فيينا، من سفر وإقامة ومحامين وحقوق وتحديد تاريخ العودة وعدد جلسات التحقيق، يعتقل ميشيل كيلو في فرع مخابرات بدون أية حقوق، ومحاميه الوحيد دعوات عائلته وقلق أصدقائه، وقد لايجد كرسياً يجلس عليه، وعليه أن يسمع مرغماً محاضرات لمجموعة جلادين في كيفية رؤيتهم للاصلاح، أو فهمهم للنقد البناء والنقد الهدام، أو تنظيراتهم في القومية والاشتراكية، فضلاً عن جهله بموعد عودته إلى بيته، إن لم نتخيل الأسوأ، فإذا لم تكن السوريالية هي دفاع سورية المستميت عن حقوق ضابط مخابرات مشتبه به في جريمة قتل سياسية، وهدرها لحقوق وكرامة كاتب وطني وناشط ديمقراطي، فما هي السوريالية إذاً؟



أليست سوريالية أن يقضي ميشيل كيلو أكثر من نصف عمره وهو يعمل بالشأن العام، وكل ثروته التي جمعها تقدر بعدة سنوات من السجن، وليالي طويلة من الخوف، واتهامات بالخيانة والعمالة تنشر تعقيباً على مقالاته في المواقع الالكترونية الموالية للسلطة في سورية، بينما يعين أي مدير عام أو وزير لمدة لا تتجاوز السنة ليخرج بعدها بأراض وسيارات وفلل وأرصدة في بنوك تمتد من خط الاستواء إلى القطب الشمالي؟!



كل شيء في سورية يشعرك بأنك تعيش في عالم سوريالي، فبدلاً من أن يحاسب رامي مخلوف صاحب شركتي الخليوي الوحيدتين في سورية، والذي يبوس السوريون الأرض ويدعون عليه لأنهم لايستطيعون مقاضاته، يحكم على النائب السابق رياض سيف بالسجن خمس سنوات لأنه طالب بمحاسبته، وبدلاً من أن يعاد الاعتبار للدكتور عارف دليلة الذي اكتشف فساد حكومة محمود الزعبي الرشيدة -كما كانت تسمى- قبل أن يكتشفها النظام السوري، فطرد من عمله في كلية الاقتصاد، يقضي الدكتور عارف دليلة اليوم حكماً بالسجن لمدة عشر سنوات في أحد السجون، وفي كل يوم تصدر محكمة أمن الدولة في سورية حكماً على ناشط ديمقراطي، لاترقى أية مقالة لمحمد الماغوط إلى كوميديته السوداء، ففلان يحكم عليه بتهمة محاولة تغيير الدستور بالقوة، وعلان يحكم عليه بتهمة دس الدسائس في أذن دولة معادية، وزيد يسجن بتهمة مناهضة النظام الاشتراكي، وعمرو يعتقل بتهمة تشويه صورة سورية في الخارج، فهل يوجد تشويه لصورة سورية في الخارج أفظع مما تقوم به المخابرات اليوم باعتقالاتها وأحكامها؟!



قلبي مع ميشيل كيلو الذي يتعرض إلى ما يتعرض له كل كاتب حر، ويدافع من مكانه عن حرية الكاتب واستقلاله. وقد نختلف مع ميشيل أو حوله طويلاً، لكن لا يمكننا إلا الاقرار بأهميته في الحياة السياسية لسورية اليوم، وبأنه كان ولا يزال أحد ناشطي ربيع دمشق البارزين، وبأن مقالاته حركت مستنقعاً راكداً، ولم تترك صورة من صور الاستبداد إلا وتناولتها، واعتقاله يؤكد أن سورية 2006 أصبحت موطن الحركة السوريالية، ولكن في السياسة!

hakambaba@hotmail.com

الوسوم

الأشخاص
الأماكن

دعوة للمشاركة

موقع الأيهم صالح يرحب بالمشاركات والتعليقات ويدعو القراء الراغبين بالمشاركة إلى فتح حساب في الموقع أو تسجيل الدخول إلى حسابهم. المزيد من المعلومات متاح في صفحة المجتمع.