عدالة السماء وعدالة الأرض ـ قراءة في أفكار نسيم طالب (3)

الجمل- الأيهم صالح: لماذا يزداد الغني غنى؟ ولماذا يأخذ الفائز كل شيء؟ أسئلة طرحها في السابق كل من حاول البحث عن العدالة في الحياة، وحاليا تصنف مثل هذه الأسئلة تحت تصنيف "تأثير متى" نسبة إلى آية في إنجيل متى تقول:

"من كان معه يعطى ويزاد، ومن ليس معه يؤخذ منه حتى كل ما في حوزته".

يعني تأثير متى أن الناس عادة ما يأخذون من الفقير لإعطاء الغني، بغض النظر عن جدارة كل منهما، وهم بذلك يدفعون الفقير إلى الإفلاس ويدفعون الغني إلى زيادة الغنى بالتدريج.

مثلا، يفضل الناس دفع مبلغ كبير لشراء كتاب لكاتب مشهور على دفع ربع هذا المبلغ لشراء كتاب جديد لكاتب مغمور لم يسمع به أحد. بغض النظر عن محتوى الكتابين. ويفضل المعلنون الإعلان على موقع إنترنت مشهور في سوريا مهما بلغت تفاهة محتواه، متجاهلين المواقع التي تقدم محتوى جيدا وقيما للناس، مما يدفع الموقع المشهور لزيادة الشهرة، ويجفف منابع تمويل المواقع الرصينة. يمكن ببساطة أن نلاحظ تأثير متى السلبي على الإبداع والمواهب، مثلا في الموسيقا، والتمثيل، والرياضة. ولكن في هذه المجالات، لن يستطيع الغني، أو المشهور، منافسة الفقير منافسة مباشرة، فالممثل الناجح سيتقاضى أجرا أكبر بكثير من المئات من الممثلين المساعدين، ولكنه لن يستطيع تمثيل كل الأدوار في كل الأعمال، وسيبقى مجال للفقير ليسد رمقه.

أما في المجالات التي يتمكن فيها الغني من منافسة الفقير، فالصورة تبدو أكثر قتامة، فالشركات الاستهلاكية الكبيرة تستطيع بأموالها منافسة الشركات الصغيرة الطامحة ودفعها للإفلاس، وحين تنجو شركة صغيرة من هذه المنافسة، فقد تتعرض للابتلاع من قبل شركة كبيرة لامتصاص نجاحها والاستفادة منه. وفي الحالتين يفضل أغلبية المستهلكين شراء الماركات المشهورة المدعومة بقوتها الإقتصادية التراكمية تحت تأثير هذه القوة، لا بسبب جودة منتجاتها.

يرى نسيم طالب أن تأثير متي نتيجة "عدوى اعتباطية" تصيب شللا من الناس وتدفعهم للتقليد الأعمى، فالآراء التي يتم تداولها عادة حول فنان هي آراء مكررة أطلقها شخص ما وتم استنساخها وتكرارها بلاوعي عددا كبيرا من المرات. وقد خبرت سابقا هذه التجربة عدة مرات، فقد وصلتني سمعة العديد من الفنانات وتكونت لدي صورة مسبقة عنهن من قبل أن أسمع أية أغنية لأية واحدة منهن. وبناء على هذه السمعة صار من المخجل أن أقول أنني أحب "روبي" لأنها فن هابط برأي الكثيرين رغم أنني أحب كلماتها وموسيقاها وصوت روبي وأداءها المميز. وأصبح من الصعب علي أن أقول أن أغاني نجوى كرم أجمل أغاني حب سمعتها في حياتي، خصوصا في حضور أشخاص يعتبرون فيروز رمزا مقدسا لديهم.

 

من سيحرر المارد؟

يرى نسيم طالب أن العشوائية هي اللاعب الأساسي في النجاح، وفي استمرار النجاح. لو كان تأثير متّى هو القانون الناظم للغنى والفقر، لما كان من الممكن أن يظهر أغنياء جدد، أو ناجحون جدد. يقول الواقع أن من الممكن أن يكسر الرقم القياسي في النجاح مهما كان، ويدل الواقع أيضا أن الغنى لا يدوم، فالكثيرون من الأغنياء فقدوا ملياراتهم وأفلسوا.

لا أحد يعرف من الشخص الذي سيكسر الرقم القياسي في النجاح في مجال ما، فهناك عشرات الآلاف ممن يحاولون المزاحمة على قطعة بسيطة من النجاح. من الممكن أن يصبح أحد هؤلاء ناجحا أكبر بكثير من أنجح شخص حاليا في نفس المجال، ويعتمد هذا على صدفة قد تكون بالغة البساطة، فإذا كان من حظ مطعم مغمور في منطقة ما أن يختاره سياسي مشهور لقضاء استراحة بسيطة أثناء مروره في تلك المنطقة، فمن الممكن أن يصبح هذا المطعم أشهر مطعم في المحافظة كلها، مما يمكنه من رفع أسعاره وتخفيض كلفته معتمدا على سياسة تسويق "العدوى الاعتباطية". وإذا كان من حظ رسام مغمور يحترف التقليد أن يتواجد في نفس المطعم مع نفس السياسي في نفس الوقت، فيقدم له نفسه ويعرب عن استعداده لتقديم خدماته، فقد توضع تحت تصرفه إمكانات هائلة فجأة لتنقله إلى مرتبة منظم مسابقات للرسامين.

الحظ يحرر المارد، ويستطيع أن يدفنه أيضا. فمهما كان النجاح كبيرا في وقت ما، قد تأتي صدمة غير متوقعة، كأزمة نفسية تدفع لاعبا مثل مارادونا لإدمان المخدرات، مما يحول موقف النقاد منه إلى الاتجاه المعاكس. أو أزمة اقتصادية ما تخرج ملايين الناس من وظائفهم وتجعلهم عاجزين عن سداد التزاماتهم للمصارف، فيفقدون بذلك بيتهم وسيارتهم وكل شي يملكونه، بعد أن كانوا نموذجا يحتذى للنجاح.

في مثل هذه الحالات، ستلعب العدوى الاعتباطية نفس الدور، ولكن بالاتجاه  المعاكس، فالناجح يستطيع أن يكتب التاريخ، ويستمر في كتابته، حتى يسقطه ناجح آخر ظهر فجأة نتيجة حدث عشوائي ما في مكان ما.

مفهوم جديد للعدالة

أين العدالة في هذا العالم الذي تحكمه العشوائية؟ أليس من العدل أن يحصل كل شخص على ما يستحقه نتيجة جهوده ومؤهلاته ومواهبه؟ يجيب نسيم طالب جوابا مذهلا على هذا التساؤل، فبرأيه، ليس من العدل أن يحصل الإنسان على ما يستحقه نتيجة مؤهلاته، لأن المؤهلات لا تأتي للناس بالتساوي، بعض الناس يحصلون على مساعدة كبيرة في طفولتهم في تنمية مؤهلاتهم، والآخرون قد لا تتوفر لهم هذه المساعدة، بل قد يولدون مع إعاقة، وقد يتعرضون لإعاقة جسيمة في طفولتهم أو شبابهم، مما يجعل نصيبهم أقل من النجاح لو أن العدالة تتبع المؤهلات.

في العالم العشوائي، يملك الجميع فرص النجاح، بغض النظر عن مؤهلاتهم، ويستطيع أي شخص أن يحاول اصطياد بجعة سوداء تنقله إلى مراحل لا يستطيع الانتقال إليها بشكل عادي مهما كانت مؤهلاته، فينعم بقسط من النجاح ثم تأتي بجعة سوداء أخرى تعيده إلى حيث كان. ينطبق هذا على الأذكياء والأغبياء، على الجميلات والقبيحات، على الأصحاء والمعوقين، وعلى الكبار والصغار.

في هذا العالم العشوائي، الجميع متساوون، الجميع معرضون للبجعات السوداء، والناجح من يحسن استغلال الحظ، ويعرف أن النجاح ليس دائما، فمن يحرر المارد قد يدفنه في أي وقت. ورغم أنني تعلمت سابقا عدة مفاهيم للعدالة، فأنا أرى الآن أن مفهوم نسيم طالب للعدالة هو الأقرب إلى ما يمكن أن أسميه "عدالة السماء"

نشرت هذه المقالة في موقع الجمل يوم 27 أيار 2010

من خلق ليزحف لن يطير أبدا عبارة كتبها طبيب أسنان على أحد جدران مخبري لصناعة الأسنان قرأنها عنده هي قول قد يدفع الشخص للتشاؤم إن كانت أحواله سيئة وقد يدفع الشخص للتفاؤل إن كانت أحواله جيدة أو تتحسن بشكل ما لكل منا دوره في هذه الحياة وقد نتبادل الادوار قد نطير وقد نزحف وقد نصل إلى أعلى القمم زحفا العبرة في الزمن والنتيجة واقصر الطرق للقمة أقصرها للقاع ثمة أشخاص لهم صفات المارد خلقوا ليعيشوا لا يمكن إدخالهم في قمقم ولايمكن لأحد أن يدفنهم أو يحررهم أنت منهم يا صديقي الأيهم