فلك المدجلة: قراءة في أفكار نسيم طالب (2)

الجمل- الأيهم صالح :  تنوعت ردود الفعل على مقالي السابق "بين الطب والهندسة ـ قراءة في فكر نسيم طالب" بين أصدقائي وقراء المقال، أغلب الردود التي وصلتني أبدت إعجابها بفكر نسيم طالب، ولم تفاجئني الردود الإيجابية من أصداقائي الدائرين في فلك الطب. وذهب أخي عروة، الذي يحضر الدكتوراه في الصيدلة حاليا، إلى أن أفضل ما يمكن أن يحصل له هو أن يتعرض لبجعة سوداء في أبحاثه، فالبحث العلمي يكتسب قيمة إضافية إذا جاء بما يخالف، أو يضيف نتائج جديدة إلى المعلومات الموجودة حاليا. وعلى ما يبدو، فعلم الطب يراجع مفاهيمه بشكل دائم ويسعى لتطويرها ضمن دورة حياة واعية.


وقد رأى بعض أصدقائي أن فلسفة نسيم طالب مهمة جدا رغم إغراقها في البساطة، وأعتقد أن تبسيط هذه الأفكار الفلسفية احد اسباب أهميتها، فقد كان بإمكان نسيم طالب أن يصوغ نفس الأفكار بطريقة أكثر تجريدا تجعلها تبدو نخبوية أكثر، ولكنه فضل الابتعاد عن مجتمع أصحاب البذلات الفاخرة وربطات العنق ومخاطبة العقل العادي بطريقة بسيطة وبأمثلة بسيطة ومباشرة، فكسب بذلك جمهورا لا يمانع أن يشارك في حملته على العلوم الزائفة.


أما أصدقائي من المهندسين، وأصحاب المهن "العلمية" إن صح التعبير، فكان موقفهم سلبيا من المقالة وأفكارها على الأغلب، وجاء أعنف رد من صديق أكن له شخصيا، ولأعماله الإبداعية، كامل الاحترام، وهو من أقدم مهندسي سوريا الذين مازالوا يمارسون المهنة حتى الآن. يقول صديقي:


"هل المهندس الانشائي دجال لأنه يحمي البناء من المخاطر المحتملة؟

عندما أدرس بناء ليتحمل هزة أرضية بقوة 8 على مقياس ريختر فانني ارفع من كلفة البناء ولكن بهدف حمايته لان المنطقة التي ابني فيها قد تتعرض الى هزات بهذه القوة أو انها قد تعرضت بالفعل سابقا. ولكن، حسب رؤية المقالة فان المهندس دجال لانه لم يدرس البناء ضد أخطار غير محتملة مثل الهزات بقوة 10 حسب ريختر. هل هذا المهندس دجال؟ طبعا لا لأنه ما من أحد سيتحمل التكلفة المرتفعة أكثر وأكثر نتيجة دراسته لهزة أرضية بهذه القوة؟ قد تحدث كل عشرة آلاف سنة ولكن من غير المنطقي ان أنشئ بناء للمواطن العادي بتكلفة مرتفعة جدا لايستطيع تحملها"


ناقشت هذه الأفكار عدة مرات في السابق مع أصدقائي المهندسين، وسألتهم أولا: من أين مصدر إحصائيتهم، وكيف كان الإنسان يقيس شدة الهزات الأرضية منذ عشرة آلاف سنة، وعلى ماذا يستند المهنس علميا في تجاهل احتمال حدوث هزة بالغة التدمير في وقت قريب ومكان قريب منه. وقد قادني هذا النقاش سابقا إلى علم الاحتمالات والمنحني البياني الجرسي الذي وضحت قصوره في المقالة السابقة. وعندما كانت العوامل الاقتصادية تدخل للنقاش، كنت أجيب أن من واجب المهندس أن يتعامل مع الزبون باحترام وشفافية، ولا يصادر قراره بناء على وهم زائف يعتقد المهندس أنه علم يؤهله لاتخاذ القرار نيابة عن الآخرين في مصائرهم أو استثماراتهم. لماذا يفترض أنهم سيرفضون خيارا ما فلا يطرحه عليهم؟


مشكلتي الجديدة مع علم الهندسة، والتي اكتشفتها مع اكتشافي لفلسفة نسيم طالب، تتعدى خطاب المهندسين وطريقتهم في التعامل مع الآخرين لتصل إلى مصدر هذا الخطاب، كيف يستطيع علم ما أن يحدد بدقة نسب أمان خرافية دون أي اعتبار لدور العشوائية في الطبيعة؟ يقول نسيم طالب أنه كلما تناقصت أرقام المخاطر، وزادت أرقام الثقة، ستزداد معها الارتيابات في هذه الأرقام، مما يفقدها معناها العلمي، ويجعل هذه الأرقام بحد ذاتها خطرا على الناس. فإذا كان احتمال كارثة ما هو "مرة كل شهر" فإن إحساسك بالأمان سيكون منخفضا جدا، الأمر الذي سيدفعك لاتخاذ احتياطات مناسبة وفق حالتك، أما إذا كان احتمال حدوث الكارثة هو مرة كل عشرة آلاف سنة، فإن ثقتك بعدم حدوث هذه الكارثة ستزداد وستبدأ في إهمال الاحتياطات، مما يجعل مجرد إدراكك للاحتمال المنخفض خطرا إضافيا عليك.


كدليل على هذه الفكرة أكرر اقتباسا أورده نسيم طالب نقلا عن القبطان البحري إي جي سميث


"خلال خبرتي السالفة لم أتعرض لأي حادث... من أي نوع مما يستحق الوقوف عنده والتحدث عنه، لقد رأيت سفينة واحدة فقط في حالة شدة واستغاثة طيلة سني عمري في حياة البحر، ولم أر مرة حطام سفينة، ولم تتحطم سفينة بإمرتي، كما أنني لم أكن مرة في أي مأزق عصيب ينذر بالانتهاء بكارثة من أي نوع من الأنواع"


في عام 1912، أي بعد خمس سنوات من هذا التصريح، وبعد أن ازدادت خبرة الكابتن سميث كثيرا في حياة البحر، تولى قيادة سفينة اعتبرت تحفة الهندسة البحرية في ذلك الوقت، ولكنها غرقت في أول رحلة لها بين بريطانيا وأمريكا بعد اصطدامها بجبل جليدي عائم في ما يعتبر أشهر حادثة غرق في التاريخ.


لذلك، مهما كانت كثافة وقيمة المعلومات التجريبية التي يمكن أن يستند إليها المهندس في دراساته، لن تعني كل معرفته السابقة أن ما ستأتي به الطبيعة غدا سيخضع لتلك المعرفة السابقة. من يعتقد أن الطبيعة تخضع لمعادلاته هو مخطئ خطأ كبيرا على أحسن تقدير، ومن يحاول أن يبيعك نبوءة من نمط "لن تحصل كارثة غدا إذا تابعت حياتك بشكل طبيعي كما كنت تفعل من قبل" ربما كان قادما للتو من المدجلة.


ولأننا، نحن البشر، أبناء الطبيعة وقد ورثنا منها عشوائيتها، فمن الممكن أن يخدعنا أحيانا وهم يقدم لنا على أنه علم تجريبي تبتت صحته على أرض الواقع، وكجزء من الخديعة، يمكن أن نؤمن تماما بصحة هذا "العلم"، ونعمى عن آلاف الأدلة العملية التي تتناقض معها. وهو ما يسميه نسيم طالب "مقبرة الدليل الصامت". فعندما يتحدث المهندس عن إنجازات الهندسة، فهو لا يذكر إلا الإنجازات، مما يجعلنا ننسى أن العلم المعاصر، والهندسة كجزء منه، لا يستطيع أن يفسر عددا أكبر بكثير من الظواهر التي يستطيع تفسيرها. وحتى حين ينجح العلم في تفسير ظاهرة ما، فالنماذج التي يستند إليها قد تكون صالحة في ظروف خاصة وتقريبية، وغير صالحة أبدا لتفسير نفس الظاهرة ضمن ظروف الطبيعة الحقيقية المغرقة في العشوائية.


كيف نميز العلم الحقيقي، وإذا احتجنا فعلا لنصيحة من عالم، فكيف نتأكد أن النصيحة التي نحصل عليها لم تأت من المدجلة؟ يرى نسيم طالب، اعتمادا على أبحاث فيليب تيتلوك التجريبية، أن الكثيرين من "العلماء" لا يعرفون عن المستقبل أكثر مما يعرفه سائقوا التاكسي، وينصح بصراحة بالابتعاد عن النصائح التي يوجهها شخص يرتدي ربطة عنق، لأن الهندام الصارم يعطي انطباعا إضافيا بالثقة والمصداقية لدى بعض الناس، مما يشكل بحد ذاته خطرا إضافيا. وبما أنه لا أحد يعرف عن ما سيحصل أكثر مما تعرف أنت، فأي نصيحة تأتيك هي مجرد ضربة حظ، وإذا نصحك شخص ما نصيحة وتبعتها ثم حققت ما تريد، فهذا يعني أن الحظ، أو الصدفة، كان معك، وحتى إذا استفدت من نصائح شخص ما عدة مرات متتالية، فهذا لا يعني أن النصيحة القادمة التي سيعطيها لك أو لغيرك ستكون مفيدة. وعندما تواجهك هذه الحالة، تذكر مقبرة الدليل الصامت، وفتش عن آلاف الحالات التي وجه فيها هذا الشخص، أو العلم، نصائح للآخرين لم تعط النتيجة المطلوبة. عندما تشاهد بأم عينك قردا يرمي قطعة نقدية عشرين مرة، فتستقر على نفس الوجه، هذا لا يعني أن القرد قادر على تأليف كتاب اسمه "كيف تنجح في رمي القطعة النقدية" ولا يعني أنه في المرات العشرة آلاف القادمة ستأتي القطعة على نفس الوجه.


أما أنا، وبعد أن قضيت ما مضى حياتي أدور في فلك المدجلة، فقد أصبحت الآن أكثر ميلا للتواصل مع الأطباء والفنانين، وأكثر تقبلا لأرائهم بناء على خبرتي الجديدة معهم. وقد أعجبتني بشكل خاص مهارة أصدقائي من الدائرين في فلك الطب في البحث عن البجعات السوداء، وفي تربيتها والاستفادة من منتجاتها، ومهارة أصدقائي الدائرين في فلك الفن في أحلام اليقظة الواعية. نعم الواعية، فالوعي هو ما كان ينقص أحلام اليقظة التي أدمنتها طيلة فترة دوراني في فلك المدجلة.

نشرت هذه المقالة في موقع الجمل يوم 5 نيسان 2010