تسويق الفشل قراءة في أفكار نسيم طالب (4)

الجمل- الأيهم صالح:  في مقالي السابق تحدثت عن مفهوم "عدالة السماء" في العالم العشوائي الذي نعيش به اليوم، وقد راقني القبول الذي لقيته الفكرة من أصدقائي على اختلاف آرائهم، كما راقني مفهوم اللاعدالة الذي ذكره الإعلامي يعقوب قدوري في تعليقه على المقال. ما لم يرقني هو الاتهامات الصريحة والمبطنة من بعض أصدقائي بأن هذه الأفكار دعوة للتقاعس وتسويق للفشل.

يقول صديقي:

"إذا كان الحظ هو اللاعب الأساسي في النجاح، فلا داعي لبذل أي جهد، يكفي فقط انتظار الحظ ليأتي بالنجاح"

ويعتبر أن هذه الفكرة تناقض كل تاريخ الإنسانية الذي بناه الناجحون والعباقرة بعلمهم وجهدهم ومثابرتهم وإصرارهم على النجاح. 

وأنا لا أرى مانعا من التقاعس، فبعض الناس متقاعسون وبعضهم جادون أكثر من غيرهم، ولكن هل يعني هذا أن النجاح لا يأتي إلا للجادين؟ ألفت نظركم هنا إلى فكرة مقبرة الدليل الصامت التي ذكرتها سابقا في مقالتي الثانية في السلسلة، واسألكم: كم شخصا تعرفونه يقضي كل وقته في العمل والمثابرة، ثم لا ينجح في تحقيق ما يريده هو؟ أنا أعرف الكثيرين ممن يعملون بجد ليل نهار، وحلمهم البسيط أن يؤمنوا الحد الأدنى من الحياة الكريمة، ورغم كل معاناتهم، فهم لا ينجحون في وفاء التزاماتهم آخر الشهر. بالمقابل، لو كان التقاعس دافعا للفشل، لما أمكنك أن ترى شخصا يعتبر نفسه ناجحا لأنه يوما ما خاض رهانا ما فربحه، واستغنى بذلك عن الحاجة لأي جهد في الاستمرار. 

لا أحد يعرف ما سيحصل في المستقبل، ولذلك فلا أحد يضمن النجاح. دعوني أتكلم عن نفسي الآن، فقد اعتدت في الماضي على بناء تصورات عن المستقبل وإقناع نفسي بها بشكل كامل، بحيث آمنت أن العالم يعمل وفق النموذج الذي بنيته في مخيلتي. كنت أعتقد أن هناك دائما سيناريو نجاح واحد على الأقل لكل هدف، ومن يتبع هذا السيناريو يستطيع أن يصل إلى الهدف، رغم وجود الآلاف من سيناريوهات الفشل حوله. وقادتني التجارب المتتالية لاكتشاف كم كنت مخطئا. فالعالم لا يخضع لما أريده، والمستقبل لا يأتي كما أحلم به. الحياة والطبيعة والمستقبل أمور مستقلة عن مشاعري وعن ما أحلم به وأخطط له. 

منذ أن قرأت نسيم طالب، تغيرت نظرتي للمستقبل، فأصبحت الآن أفكر أن أي قرار أتخذه هو رهان على سيناريو ما سيحصل في المستقبل. إذا تحقق السيناريو الذي أراهن عليه، فسأحقق ما أريد، وعلي دائما أن أراقب ما حولي وأعدل قراراتي، أي رهاناتي، بناء على تغير رؤيتي للمستقبل. أعتقد أن هذا التشبيه ينطبق على أي شخص، ينطبق على صديقي الذي يرى أن النجاح مرهون بتوزيع جهوده في عشرة مشاريع دفعة واحدة، وعلى صديقي الآخر الذي يعتقد أن من الأفضل التركيز على مشروع واحد وتحقيق نجاح كبير فيه. لا أحد منهما يضمن ما سيحصل معه في المستقبل، وكل منهما يضع رهاناته الآن، مهما كبرت أو صغرت، وينتظر ما سيأتي به العالم العشوائي. قد ينجح أحدهما، وقد ينجح كلاهما، وقد لا ينجح الاثنان، بل ينجح شخص ثالث لم يكن قط يسعى لهذا النجاح، ولكن الحظ أودى بحياة شقيقه الأكبر في حادث سيارة، فوجد نفسه فجأة الوريث الأوحد لامبراطورية كبيرة هائلة الإمكانيات والموارد. لا أحد يدري فعلا ما قد يحصل، ولا توجد وصفة صريحة وواضحة للنجاح.

يرى نسيم طالب أن لنا نحن البشر ذاكرة انتقائية، وذاكرتنا الانتقائية تجعلنا نتذكر رهاناتنا (قراراتنا) الرابحة وننسى أو نتناسى رهاناتنا الخاسرة. فننسب نجاح الرهان لجهدنا وعملنا، وفشل الرهان للحظ أو العشوائية أو القدر. إضافة إلى ذلك، فبعد أن تتطور الأحداث، ونصبح أقدر على معرفة "ما كان يمكن أن نفعله" في الماضي، فإن ذاكرتنا تعدل بعض قراراتنا ورهاناتنا الماضية لتجعلها "في المسار الصحيح". وهكذا، فنحن نميل لإقناع نفسنا أننا اتخذنا القرارات الصائبة فقط، وربحنا رهاناتنا.

تذكرت هذه الفكرة أثناء قراءتي لسلسلة مقالات نشرها نبيل صالح تحت شعار "الحلم السوري" يتحدث فيها عن حلم "الآباء المؤسسين" لسوريا. في ذلك الوقت فكرت أن "الآباء المؤسسين" وضعوا رهانهم على "الأمة العربية" وعلى "الشعب العربي". ويبدو أن هذا الرهان استمر منذ ذلك الوقت لأجيال تالية، ربما بتأثير "العدوى الاعتباطية" التي ذكرتها في مقالي السابق، وربما بتأثير الذاكرة الانتقائية.

ولكن ماذا لو أن شكري القوتلي وهاشم الأتاسي وسعد الله الجابري وبقية "الآباء المؤسسين" فكروا بطريقة مختلفة، ماذا لو أنهم قرروا الرهان على الانضمام إلى أوروبا بدلا من الاستقلال عن فرنسا. ماذا لو أنهم رفضو إعلان استقلال سوريا (ولبنان) الذي أعلنته فرنسا الحرة عام 1941، وماذا لو أن شكري القوتلي، رئيس سوريا المنتخب عام 1943 في ظل الانتداب الفرنسي، قرر التفاوض مع ديغول على الانضمام إلى فرنسا كجزء منها. ووجه له رسالة تشرح أن الشعب السوري يشكر لفرنسا تطويرها للبنية التحتية في سوريا خلال الانتداب، ويشكر لها تسامحها مع السوريين على مدى السنوات الماضية، وعفوها عن أشخاص قتلوا الألوف من الجنود الفرنسيين أيام الانتداب، مثل صالح العلي وابراهيم هنانو وسلطان الأطرش. ثم بذل كل جهده ليقنع ديغول أن استعجاله للتخلص من سوريا ليس من مصلحة فرنسا، فسوريا ستكون دعما لفرنسا لا عبئا عليها، وبدلا من معاهدة تعطي بعض الميزات لفرنسا في سوريا، يرغب السوريون بمعاهدة تعطي سوريا كل ميزات فرنسا.

لا أحد يستطيع أن يقدر كيف كان لتاريخنا أن يتطور بوجود مثل هؤلاء الرجال، وكيف يمكن أن تصبح دمشق أو حلب أو اللاذقية كمدينة فرنسية كاملة الحقوق والواجبات، وماذا يمكن أن يقول النواب السوريون في البرلمان الأوروبي. 

برأيي الشخصي، كان هذا أفضل رهان يمكن أن تضعه الكتلة الوطنية لمصلحة سوريا، وكانوا هم أول من يجني ثماره بسرعة، وبعدهم الأجيال التالية، ومنها نحن. ولكنهم اختاروا رهانا مختلفا، وخاضوه بكل جهودهم، وها نحن اليوم نعيش نتائجه، ونقرأ نبيل صالح يدعوهم بمنتهى العاطفية "الآباء المؤسسين".

في عالمنا العشوائي، لا تأتي الفرص دائما، ولكنها تأتي، وللتعامل معها يضطر الناس لاتخاذ قرارات، فيراهنون على سيناريو ما للأحداث أو للتاريخ، ثم يبذلون كل جهدهم لدعم تحقيق السيناريو الذي راهنوا عليه. والنجاح ليس مرهونا بالجهد الذي يبذلونه، بل هو مرهون أساسا بالرهان الذي اعتمدوه.

مقالتي ليست دعوة للتقاعس، ولا تسويقا للفشل. مقالتي دعوة لرؤية العالم بعشوائيته الطاغية، كما رأيتها بعد متابعتي لنسيم طالب، وللبحث عن الفرص الكامنة فيه على أمل ترويض بجعة سوداء يمكن أن تنقلك أنت نقلة كمومية إلى مدار ذي طاقة أعلى.

نشرت هذه المقالة في موقع الجمل يوم 27 أيار 2010

ونقلها موقع كلنا شركاء عن الجمل يوم 28 أيار 2010

لا أحد بالطبع يستطيع التكهن بالمستقبل في ظل تعقيد ظروف البداية والظروف المرافقة للحدث في كل لحظة. ولاشك أنه من الجميل أن نحلم أن تصبح سورية دولة أوروبية أو أن تؤدي بنا الرأسمالية لنهضة اقتصادية توازي التجربة اليابانية... يا هل ترى ماذا كان سيحصل لو أن فارس بك الخوري تناول قواقع نيئة قبل التوجه إلى عصبة الأمم وجلوسه على كرسي مندوب فرنسا، أو أن خروشيف رمى الحذاء في وجه المندوب الأمريكي بدلا من أن يدق به على الطاولة، أو أن حذاء منتصر الزيدي الذي طار في مسار عشوائي أصاب بوش في عينه وسبب له عاهة مستديمة... في الواقع لا أحد يعرف... ولكن الثابت هو الآتي: لا شيء مؤكد، وكل شيء محتمل، حتى الزمن نسبي، وقياسه لا يخدم إلا تنظيم مدة نومنا وروتين معدتنا... وبالتالي فلننس النظام ولننس العشوائية ولنتصرف في ظل أفضل استقراء لظروف البداية ولنضع خططا بديلة بل لنتحضر نفسيا لتغيير تفكيرنا بشكل ديناميكي بحيث نحول المفاجآت إلى فرص... فبين المؤثر ورد الفعل فسحة... وقرارنا يكمن بينهما.... هكذا قال كوفي