مريم البسام تروي قصة المقابلة مع السيد

جريدة السفير 30-8-2006
سحر مندور
كان حذاؤه هو أول ما نظرت إليه عندما رأيته، تقول مديرة الأخبار في نيو تي في مريم البسّام، التي حظيت بالمقابلة الأولى للسيد حسن نصر الله بعد إعلان إسرائيل وقف أعمالها الحربية ضد لبنان. حذاؤه، لأن معظم الكلام الذي نقلته المحطة عن أهل القرى والنساء بينهم بشكل خاص، كان: فدا غبرة صبّاط السيد. إلى هذا الصبّاط تحديداً، نظرت.
وفي اليوم الذي سبق لقاءها بالسيد حسن، نشب بين مريم وبين أحد الأخوان في الحزب نقاش حاد، حول عموميات العمل الإعلامي. في يوم تصوير المقابلة، أي السبت الماضي، اتصل بها الأخ ذاته وطلب استكمال النقاش. قالت له: خرجت للتو من عملية جراحية في ضرسي، وأنا متوجهة إلى مبنى التلفزيون. لاقيني هناك لنكمل الشجار، واطمئن: لن أتمكن من الصراخ. وبالفعل، جاء إلى مكتبها يرافقه شاب آخر، لكن حديثا مختلفاً بدأ: كان عندكم حظ تاخدوا مقابلة من السيد بالحرب. قلت له: لا تذكرني، بركي بتظبط شي نهار. فقال: شو رأيك إذا بتظبط هلق؟ ظننت أنه يمزح، فأجبته: بلا سماجة! قال: الآن، إمشي معي.

 

في اللحظة ذاتها، سحب الشاب الآخر هاتف مريم الخلوي من فوق مكتبها. طالبا منها ألا تخبر أحداً: قلت له: أريد أن أمر بالبيت كي أحضر حجاباً، وأنا أرتدي تنورة، يجب أن أغير ملابسي. قال لي: آخدك إلى البيت، لكن أرجوك، لا تخبري أحداً هناك بالمقابلة. شعرت حينها بأني وصية على أمانة. وعدته بأني لن أتكلم. وبيتي ملآن بالأهل، وأمي وأخوتي من النوع الذي يحب الكلام، يفتحون آذانهم ويبحثون عن تبرير لعودتي إلى المنزل في مثل هذا الوقت. تحججت بأني أتحضر لاستكمال عملية ضرسي: طب ليه عم تغيري تيابك؟ وليه بدك إيشارب؟.
على فكرة، كان حجاب مريم محكماً حول الرأس، مع أنه استثنائي، لأن: عندي عقدة من النسوان لما يعملوا مقابلات كيف بينزلوا إيشارباتهن هني وعم يحكوا، وبيتلبكوا فيهن. فسألت المحجبات في عائلتي عن أسلوب لف الحجاب الأمثل. واكتشفت أن السر في الدبوس، يمكنه أن يشبكه مدى الحياة.
جرى هذا كله في بحر سبع دقائق، إذ كان مندوبا الحزب بانتظارها في السيارة. نزلت لملاقاتهما بسرعة، والحجاب بيدها، واتجهت بها السيارة إلى جهة ما: نزلنا تحت الأرض، بدّلنا السيارة، أصبح الزجاج مموهاً بالأسود، وفقدت حينها اتجاه السير. أصلاً، بهيداك الوقت، ما عدت فكر وين رايحة. أنا رايحة قابل السيد، ضروري أعرف وين قاعد السيد يعني؟! شو خصني أعرف؟.
وصلت مريم إلى شقة مريحة، مكان وصفته بالمحترم، فيه مَن قدم لها الشاي والقهوة. دخل رجل إلى الغرفة، فنظرت إليه من أسفل إلى أعلى، ثم اكتشفت هويته: لم أكن أتوقع رؤيته هنا، ظننت أنهم أتوا بي إلى هذه الشقة كي أحضّر نفسي، قبل أن يأخذوني إليه عبر الدهاليز. خفت عليه. قلت له متفاجئة: أنت هنا؟ أجابني: إيه، وين بدي كون؟ قلت: مشغول بالي عليك! قال لي: سأسجل المقابلة هنا ولن أعود، لا تقلقي. ثم أكمل: أقعدي ارتاحي.
بسرعة، ومن دون تركيز، انصرفت لوضع مساحيق التجميل الخاصة بالتصوير التلفزيوني على وجهها. من السيد حسن، تناولت قلماً لتكتب. فلقد أتوا بها إليه مجرّدة من كامل عدّتها. رجال الحزب صوروا المقابلة، وأعطوها الشرائط قبل أن ترحل.
حان موعد إحكام الحجاب. قالت له: لا تواخذني، بس بدي ظبّط الإيشارب ومش عارفة كيف. فأجابني: إشبكي الدبوس من هنا.. دلّني.
في حضوره، كادت مريم تفقد تركيزها. كان المكيف مطفأ حتى لا يُسمع صوت هديره في التسجيل، وعندما كان السيد يرفع النظارات كي يمسح عرقه، كانت تتأمل عينيه. بدتا لها أصغر من حجمهما من خلف النظارات: صرت مشدودة بين أن أنظر إليه وأتأمل تكاوينه، فهو السيد، محور العالم كله.. وبين أني أريد أن أحدثه، كيفك، كيف صحتك. ضاع مني الكلام، فحاول تشجيعي: شو محضّرة؟ قلت له: ولا شي، بتعرف الظروف اللي جيت فيها. قال لي: ما يهمك، إسألي كل ما يخطر على بالك، ولن يُقتطع أي شيء من المقابلة، طلّعي كل الهواجس اللي عندك، وكل الهواجس اللي حاسة إنو اللبنانيين بدن يعرفوا عنها شي.
كيفك، كيف الصحة، صحتك منيحة..
حكى لها عن تأثير الإعلام في النفوس. أخبرها أنه أثر فيه، أيضاً. قال: عندما احتدمت المعركة، كنت أتابع بعض القنوات اللبنانية، وإذ بي أفاجأ بهم يقولون في الخبر العاجل أن إسرائيل اجتاحت 10 كيلومترات من التراب اللبناني، ثم 15 كيلومترا. أنا، بيني وبينك، سكّوا ركابي، فكيف العالم؟! تواصلت مع الشباب: شو حقيقة الموضوع؟ قال لي أحد الأخوان المجاهدين على الجبهة: يا سيد، في أشياء مش عم نقلك ياها على اعتبار أنك ما رح تصدقها. أنا تحت إيدي هلق 15 إسرائيليا بين قتيل وجريح، وإذا أردت يمكنني أن أسمعك نزاع الجرحى بينهم. ثم أخبرها عن عيتا الشعب، وعن صمود الرجال فيها: صرت قول لهم: عيفولي عيتا الشعب! طلعوا منها لعيتا الشعب! صمدتم فيها كفاية! تحشمت عليهم يطلعوا منها، لكنهم أجابوني: لأ، نحن مسيطرين يا سيد. ثم عدت لمتابعة الأخبار: وصل الجيش الإسرائيلي جنوبي النهر.. فقلت للشباب مشككاً: أنا أعطي المعنويات للعالم، ما تعملوها معي! واتضح أخيراً أن ما في شي من الأخبار صحيح. طيب، لو أنا صار فيّ هيك، كيف العالم؟!.
كان يحتسي الشاي، سكره وسط، في كاسة زجاجية مدورة، تحتها صحن. سألته مريم عن متابعته للنكات التي نُسجت عن الحزب خلال فترة الحرب، فأجابها بأنه تابعها، وعلق في ذهنه: أن الشيعة صاروا معلمين أكثر لأنو حتى بالصيف فوتناهن على المدارس. لم تتجرأ مريم أن تتوغل، بحسب تعبيرها، وتسأله عن نكتة هيفا وحيفا. لكنه أكد لها أنه شاهد تقرير النكات الذي بثته نيو تي في في إحدى نشرات الحرب.
طلب منها ألا تسأله عن أقطاب البلد وعن مواقفهم خلال الحرب، وقال له أنه لا يكذب، ولذلك لا يريد أن يجيب على هذه الأسئلة، على الهواء. لكنها سألته، على الهواء. ولم يجب. تقول أنها تقدر ما طلبه منها، وتتفهمه، لكن أحداً لن يتفهم صحافية تحاور السيد حسن نصر الله الآن، ولا تسأله عن القضايا الداخلية.
كما أخذ كثيرون على مريم أنها قاطعته خلال اللقاء: ما كان عنده مانع. وقال لي تحت الهواء: إذا استرسلت كثيراً، يمكنك أن تتدخلي على حديثي. عند تغيير الشرائط (مدة كل الشريط 33 دقيقة)، طلب من الشباب استعادة آخر جملة قالها ليبدأ منها: عمل مونتاج لحديثه. وأنا لا يمكنني أن آخذ ربع ساعة جواب على كل سؤال، هذه من قواعد العرض التلفزيوني. ثم أني شعرت بالراحة معه.. لدرجة أني سمعت نقداً محقاً لأني قلت له في بعض الأحيان إنت، بدلاً من سماحتك وحضرتك. صح، كان يجب أن أكون أكثر انتباهاً وأن أعرف حالي مع مين عم إحكي.
بعدما أنهت المقابلة، قال لها: ما تفلي، اقعدي نحكي. جلست، وتحدثا. أخبرها عن دمع ترقرق في العين كلما سمع ابن بلد يفديه بالأرواح وبالممتلكات. وأخبرها أيضاً عن طعنة: حكي إنو مطعون من بعض الناس.
عادت مريم إلى مبنى التلفزيون، وجدته شبه خال من موظفي الأخبار. استغلوا فرصة انتهاء الحرب وعاد كل إلى قريته، إلى بيته، إلى حياة انقطعوا عنها لشهر ونيف. اتصلت بمديرة البرامج وطلبت استنهاض الهمم: ما كان حدا يصدقني. أقول لهم أني عملت مقابلة مع السيد وبدنا نجهزها للبث، يجيبونني: إيه بلا مزح، شو هالحكي هيدا، وين بدك تشوفيه هلق. بعدما بات الخبر أكيداً، كان عليها أن تتلقى لوماً كبيراً: ليه ما قلتي لنا، أنا ما بسامحك، ليه ما أخدتيني معك.. مُنتج برامج قال لي: كنت قولي للحزب إني أنا اللي بيعملك شاي.. قولي لهم: أنا ما في عيش بلاه وخذيني معك.
بعد بث المقابلة بأيام، تبقى القصص كلها طازجة وحاضرة في ذهن مريم البسام.