2006 و عالم الكومبيوتر

كما في كل عام، يعتبر النصف الأول من شهر كانون الثاني (يناير) نقطة مهمة في تحديد الاتجاهات المستقبلية في عالم الحاسوب و التقنية، من خلال مجموعة من الخطابات التي يقدمها العديد من مدراء الشركات الكبرى على هامش معرض International Consumer Electronics Show (CES) و معرض ماكورلد Macworld في الولايات المتحدة.

 

و بالتالي فإن إطلالة على ما يحدث في هذه الفترة تكتسب أهمية تفوق الأهمية التجارية لشركات ميكروسوفت وآبل و جووجل و غيرها من الشركات التي تقوم فعلاً بصياغة العالم الذي نعيش فيه، و هو الأمر الذي لا يخفيه مدراؤها بل يتسابقون لأداءه. حتى أن بيل غيتس من خلال نشاطه الخيري الكبير في الأعوام الأخيرة وصل إلى أن تختاره مجلة التايم شخصية العام مع زوجته و مغني الروك بونو لهذا الدور، بيد أنه في خطابه الاول لهذا العام في معرض CES أعاد التأكيد على دوره الآخر و الأصلي في تغيير العالم: من خلال الكومبيوتر.
حيث بدأ كعادته برؤية مستقبلية تعكس تصوراً عن الإمكانيات المحتملة للحياة في نهاية العقد الرقمي Digital Decade من خلال تكامل التطبيقات التكنولوجية عبر سيناريو مستقبلي توقعه في غضون أربع سنوات، مؤجلاً قليلاً الإجابة عن السؤال الذي كان يشغل الكثيرين: و ماذا عننظام التشغيل الجديد "فيستا" ؟ فنظام تشغيل ويندوز من ميكروسوفت تمتع بشعبية كبيرة و حصة كبرى في السوق عبر السنين، تاركاً أقلية من المستخدمين لأجهزة آبل و نظام ماك الخاص بها، و أقلية أخرى من الجانب الآخر من الطيف -و هم المستخدمون التقنيون- لنظام لينوكس. بيد أن تقدم لينوكس بشكل مطرد مؤخرا و توسع قائمة مستخدميه من جهة، و ازدياد حصة نظام شركة آبل في السوق من جهة أخرى، يهدد بتآكل قاعدة مستخدمي ميكروسوفت. و بالتالي تبدو الآمال معقودة على نظام التشغيل الجديد فيستا ليعيد و يؤكد هيمنة ميكروسوفت، الذي سيشهد هذا العام إطلاقه و إطلاق الحزمة المكتبية الجديدة أوفيس12.
و للأسف لم يبد أن ما تقدمه ميكروسوفت سيكون كفيلاً بتحقيق هذا الأمر، كما بدا من خلال الإصدارات التجريبية السابقة من فيستا في العام الماضي، و من خلال هذا المعرض. إذ يبدو أن فيستا بعد الإعلان الأولي عن إلغاء بعض المواصفات التقنية التي كانت موعودة فيه و غموض الصورة مؤخراً حول تضمين بعضها أو لا سيركز على سهولة الاستخدام و جمال و أناقة الواجهة الرسومية التي تتمتع ببعض الشفافية و سهولة في تصفح النوافذ الكثيرة المفتوحة بشكل ثلاثي الابعاد، إضافة إلى مستويات رقابة من اجل الأطفال و شريط جانبي و محرر صور مماثل لمحررiPhoto من شركة آبل، و بالتأكيد تحسين آليات البحث ضمن نظام التشغيل و ترقية للميديا بلاير و أخرى طال انتظارها لمتصفح انترنت اكسبلورر. المشكلة الكبرى الواضحة هنا هي أن هذه التحسينات موجودة بمعظمها في نظام ماك 10 الذي ظهر العام الماضي، كما أن معظم الوظائف الإضافية يمكن الحصول عليها في الويندوز الحالي من خلال برامج مجانية كـجووجل ديسكتوب، و ياهوو ويدجت، و بيكاسا، و فايرفوكس، و بالأخص مع إضافة الملحقات الكثيرة لفاير فوكس، و أحدثها ما قدمته جووجل، إضافة إلى السمعة التي اكتسبها نظام الويندوز بأنه ينهار بسهولة، و هو الأمر الذي حدث حتى في معرض هذا العام أثناء عرض شركة ياهوو مما دفع مدير ياهوو و مدير انتل، كلا على حدة، لانتقاد ويندوز!
و يبدو أن ميكروسوفت تحاول التعويض من خلال الانخراط في المنافسة المتأججة على بيع الأغاني و تسجيلات الفيديو، فقد أبرمت شراكات مع ام تي في لبيع الاغاني و ديركت تي في لتقديم البرامج التلفزيونية، بيد أن هذه السوق الكبيرة التي ينافس عليها عمالقة (آبل و جووجل) قد لا تبدو بهذه السهولة و يبقى أن ننتظر لمعرفة قدرة هذا المحتوى الترفيهي على دفع المستخدمين لاستخدام الويندوز الجديد و الصمود في وجه المنافسة المستجدة.
ميكروسوفت أيضاً تخوض منافسة كبيرة من خلال جهاز اكس بوكس الذي أطلقته نهاية العام الماضي مستبقة جهاز سوني الجديد، و من خلال الأجهزة المتوقعة من شراكتها المستجدة مع شركة بالم في مجال الأجهزة الكفية، و أبحاثها المستمرة في مجال البحث التي تحاول من خلالها أن تبز جووجل. باختصار، يبدو أن ميكروسوفت تخوض الآن معاركاً على جبهات عديدة، و هي لم تعد تتمتع بنفس القدرة على فرض المعايير التي بدأت شركات جووجل و آبل الأصغر بكثير- بوضعها.
شركة جووجل كانت أيضاً حاضرة في CES ، و هي كانت الشركة النجمة العام الماضي أيضاً بموقعها المالي القوي، و قد بدأت بالتمدد في جميع الاتجاهات، و كان ما قدمته ملفتاً فهي أعلنت تقديم حزمة من البرامج المجانيةالتي اشترتها أو تعاقدت مع الشركات المزودة لها لتقدمها من خلال برنامج واحد يجعل عملية تنصيبها و ترقيتها أمرا في غاية السهولة، مما قد يعني أنها تتقدم بشكل أسرع لمنافسة ميكروسوفت في مجال البرمجيات، و بالأخص إن عقدت اتفاقية في وقت لاحق لتضمين برامج مكتبية منافسة لأوفيس في حزمتها، إضافة إلى المنافسة في مجال بيع الفيديو، و إن كانت الصفحة التي تقدم برامج الفيديو الآن ما تزال متقشفة في واجهتها، و هو المألوف دوماً من جووجل، بيد أن المميز في خطاب لاري بيج كان دعوته لتحرير صناعة الالكترونيات من القيود على المعايير التي تمنع الأجهزة المختلفة من تبادل المعلومات فيما بينها، و هو ما يعكس من جديد ثقافة جووجل التي تؤكد على البساطة و القوة، و رغبتها في وضع المعايير، كما فعلت من قبل من خلال "مبادئ البرمجيات" التي اقترحتها.
شركة سكايب كانت أيضاً بارزة من خلال المعروضات التي قدمتها شركات أخرى لدعم الاتصال عبر الانترنت من خلال برنامجها، و هي التي تلقت دفعة كبيرة في العام الماضي من خلال صفقة تاريخية اشترتها فيها شركة اي بي للمزادات يتوقع أن تساعدها على زيادة قاعدة المستخدمين بشكل كبير في العام الحالي، كما أن شركة سوني التي تعرضت لمشاكل كبيرة مؤخراً قدمت كتابها الالكتروني الجديد .
و لكن كما لاحظ بيتر كافكا المحرر في مجلة فوربس في تعليق له، فإن شركة آبل كانت الغائب الحاضر في CES حيث كانت تشغل أذهان معظم مدراء الشركات الكبرى. و قد حق لها هذا بعد سنة مميزة جداً اكتسح فيها مشغل الموسيقا الرقمية (آيبود) و متجر الموسيقا عبر الانترنت (آيتونز) الأسواق في معظم البلدان التي قدم فيها، ففي اليابان مثلاً اختارت مجلة نيكي ترندي المتخصصة أحدث أفراد عائلة الآيبود كمنتج العام 2005 متفوقاً حتى على معرض اكسبو الذي احتل المرتبة الثانية، و التدوين Blogging في المرتبة الثالثة. حيث استطاعت مشغلات الآيبود اكتساح سوق مشغلات الموسيقا الرقمية في اليابان بـ 59% من السوق، بفارق كبير عن أقرب منافسيها من شركة سوني المنتج خصيصاً للسوق اليابانية دون أن ينال أكثر من 10% من هذه السوق (احصائيات شهر أيلول - سبتمبر- 2005). و وفقاً لستيف جوبز في عرضه في افتتاح معرض ماكورلد، فإن عدد اجهزة الايبود التي بيعت حتى الآن بلغ 42 مليون جهاز، منها 32 مليون جهاز عام 2005 فقط، كما بلغت حصة آبل من مبيعات الموسيقا الرقمية 83% من السوق، و كلا الرقمين مذهل فعلا. يضاف اليه النجاح التدريجي المستجد لحواسب الماك بعد تقديم نظام التشغيل الجديد العام الماضي سواء في الحصة السوقية أو في البرمجيات، فعلى سبيل المثال بلغ عدد البرامج الصغيرة المخصصة لتقنية داشبورد أكثر من 1500 في عام واحد، كما أن البودكاستنغ الذي اكتسب اسمه من الآيبود اكتسب شعبية كبيرة في الولايات المتحدة العام الماضي، و يتوقع أن يحقق انتشارا اكبر في هذا العام. لذلك تبدو تحركات آبل في هذه السنة شديدة الأهمية لأنها ستنعكس على مستقبل الكومبيوتر.
و بالفعل، فلم يكن التركيز هذا العام في خطاب ستيف جوبس على الآيبود، بل على البرمجيات الحديثة،و الأهم على النقلة الثورية في تاريخ شركة آبل بالانتقال إلى معالجات إنتل بعد تاريخ طويل من إصرارها على معالجات باور بي سي ، و رغم أن الحركة لم تكن مفاجئة بعد أن أعلن عنها منتصف العام الماضي، فان المفاجئ هو السرعة الكبيرة التي استطاعت بها شركة آبل تقديم أجهزة جديدة رغم هذا التحول الثوري، حيث قدمتها في نصف الفترة التي كانت متوقعة سابقاً.
و قد كان واضحاً أن آبل تركز على التقليل من أهمية هذا الانتقال من حيث إدراكات المستهلك فهي استخدمت نفس التصاميم الموجودة حالياً للماك في أجهزتها الجديدة،و أكدت أن الانتقال كان بسبب السرعة المحدودة لشرائح باور بي سي مقابل استهلاكها النهم للطاقة مما منع من تطوير الأجهزة المحمولة لآبل حتى الآن، و ان معالجات انتل - التي كانت آبل تتهمها بالبطء في التسعينات- ستجد فرصتها الحقيقية داخل أجهزة الماك. كما كان التأكيد أن البرامج الجديدة ستعمل بشكل تام على النظامين القديم و الجديد، و أن البرامج القديمة ستعمل من خلال برنامج روزيتا المدمج ضمن نظام التشغيل الجديد، مما يؤكد رغبة الشركة بالحفاظ على قاعدة مستخدميها الحاليين بشكل تام، و تركيزها عليهم بدل السعي لزيادة الحصة السوقية بشكل كبير من خلال ترخيص نظام التشغيل لمصنعين آخرين. فهذا الخيار غير مطروح كما تقول آبل، الآن على الأقل!
باختصار، و رغم أن ما قدمته في الماكورلد لهذا العام أقل إثارة مما قدمته العام الماضي، فإن آبل تبدو متحفزة للحصول على حصة سوقية كبيرة من أجهزة الكومبيوتر الجديدة قبل إطلاق الويندوز الجديد، و هي مستمرة في زيادة قيمة علامتها التجارية و قيمتها السوقية من خلال تركيزها الدائم على المستهلك و سهولة الاستخدام، وهي نقاط قوتها التقليدية التي سيصعب على ميكروسوفت منازلتها فيها. كما أن تفاعل آبل مع أفكار المستهلكين سريع و كبير، فقد قامت سابقاً بادماج البودكاستنغ ضمن برنامج الآيتونز، و قامت في اصدارة 2006 من Garageband باضافة استديو لتسجيل البودكاست بمزايا متقدمة مطلوبة، و قدمت فكرة
الفوتوكاستنغ
للمشاركة في الصور بشكل سهل، و برنامج iWeb لتحريرصفحات الويب الذي وعدت أنه سيكون متفوق الميزات مع سهولة في الاستخدام، و على ما بدا من العرض فقد نجحت في ذلك إلى حد كبير.
تبدو هذه السنة هامة جداً لتحديد الاتجاهات المستقبلية في عالم الكومبيوتر، و من جديد تبدو ميكروسوفت في موقع لا تحسد عليه، فالماك قادم بقوة مدفوعاً بتأثير الهالة من الآيبود لدى المستخدمين النهائيين، و اللينوكس أصبح يكتسب حصة متزايدة في العقود الحكومية و عقود الشركات، و جووجل تتمدد في كل الاتجاهات. و يبقى السؤال: هل ستستطيع ميكروسوفت أن تأتي بشيء متميز قبيل إصدار نظام فيستا، فقد ألمح بيل غيتس في مقابلة مع تلفزيون رويترز أن الباحثين في ام س ان يعملون بجد كبير على تطوير تقنيات بحث تفوق تلك التي عند جووجل، و لا بد أن محبي ميكروسوفت يأملون أن تكون لديها مفاجآت أخرى، و الا فقد يكون الفيستا الجديد دافعاً حقيقياً ليقول مستخدمو الويندوز: Hastala vista, baby!


شادي مكرم حجازي
14 كانون الثاني (يناير) 2006