حوار معك 3

المؤلف أو الضيف
الأيهم صالح
الوصف

جميع الأفكار التي ناقشتها معك سابقا ليست من أفكاري، وأغلب من ردوا علي أكدوا أن هذه الأفكار ليست جديدة عليهم، وأنهم يتفقون معها في الغالب. ولكن أغلب من ناقشتهم يتهربون من نقاش الفكرة الأساسية في طروحاتي، وهي فكرة حق مقاومة العدوان، ولذلك سأركز عليها هنا صراحة.

هل تعتقد أن من حقك مقاومة العدوان؟ إذا اعتبرت أمرا ما عدوانا عليك فهل تعتقد أن من حقك دفع العدوان؟ قد يكون المعتدي سلطة في نظام ديمقراطي أو ديكتاتوري أو إسلامي أو سلطة احتلال أو عصابة أو مافيا أو أي شكل من أشكال السلطة، ومهما كان شكل الاعتداء، هل تعتقد أن من حقك المقاومة؟

قد تقاوم بالفعل أو لا تقاوم وتقبل الاعتداء، ولكن هل يعني سلوكك في مواجهة عدوان ما أنك تخسر حقك في المقاومة. أنا لا أظن ذلك فما رأيك أنت؟ متى تخسر حقك في المقاومة؟ أنا أعتقد أنني أخسر حق المقاومة فقط عندما أعتقد أنني لا أملك هذا الحق، فما رأيك أنت؟ متى تخسر أنت حقك في المقاومة؟ هل حقك في مقاومة الاعتداء نابع من مصدر خارجي، هل تستمد حقك في المقاومة من قانون أو شرع أو نص مكتوب، أم أنه نابع من دوافع داخلية مرتبطة بنظرتك للحق وللأخلاق؟

جميع أشكال السلطة في العالم تحاول انتزاع هذا الحق من عقول الناس، هناك قوانين لمنع مقاومة الاعتقال، وقوانين للالتزام بأوامر الشرطة، وللالتزام بأوامر أشكال مختلفة من السلطات، وهناك عقوبات على مخالفة هذه القوانين.

إذا كنت تعتقد أنك تستمد حقوقك من السلطة ونصوصها المكتوبة، فسيصبح من الطبيعي أن تعتقد أنه عندما ترسل السلطة عصابة منفذيها لاختطافك أو لنهب أموالك أو لتدمير ممتلكاتك أو لقتلك فليس من حقك مقاومتهم، بغض النظر عن ما تعتبر السلطة أنه سبب ذلك. أنا أتفهم ذلك، وموضوعي الأساسي هو نقاش هذه الفكرة. إذا كنت تسلم بها نهائيا ولا ترى داعيا لنقاشها فهذا رأيك ولك كل الحق بذلك، ولكن بالمقابل هناك آراء أخرى قد يهمك الاطلاع عليها. وقد يكون الاطلاع على هذه الآراء أكثر أهمية لمن يعملون في تطبيق أوامر السلطة، لأنهم قد يصطدمون مع أشخاص لا يقبلون العدوان وقد تؤدي المواجهة إلى عواقب يمكن تجنبها ببعض التفهم.

هل تعتقد أن السلطة قادرة على سن القوانين التي تريدها؟ راجع ذاكرتك قليلا، هل تعرف أمورا لم تكن ممنوعة على والديك وأصبحت الآن ممنوعة؟ هل تعرف أمورا كان والداك يستطيعان القيام بها بكل حرية قبل عشرين عاما، وأصبحت تحتاج رخصة ما من السلطة للقيام بها؟ في بعض بلدان العالم حاليا يحتاج الإنسان إلى رخصة من السلطة للمشي في الشارع، ويقوم منفذوا السلطة بإيقاف من يمشون في الشارع وسؤالهم عن سبب مغادرتهم لمنزلهم. في بعض بلدان العالم حاليا يفرض حظر التجول من المساء إلى الصباح، ويمنع الناس من مغادرة منزلهم لأي سبب. في بعض بلدان العالم حاليا يمنع على الناس استقبال ضيوف في منزلهم لأي سبب كان، كل هذه الممنوعات جاءت بقوانين سنتها السلطات ويشرف على تطبيقها منفذوا السلطة. وهذا لا يحصل في بلدان ديكتاتورية فقط، هذا يحصل في مشيخات تحكمها قبائل وأسر حاكمة، وفي بلدان ديمقراطية تحكمها حكومات منتخبة من قبل الشعب بطريقة ديمقراطية.

ما الذي يمنع السلطة من منع أي شيء؟ ما الذي يمنع السلطة من إلزامك بالحصول على ترخيص لممارسة ما كنت تمارسة بكل حرية قبل أن تسن قانونا ما؟

أنا أعتقد أن السلطة، أية سلطة من أي نوع، قادرة على سن أية قوانين تريدها. السلطة الديمقراطية قادرة على سن أية قوانين باسم الشعب، والسلطة الدينية قادرة على سن القوانين باسم الله، والسلطة الديكتاتورية قادرة على سن القوانين باسم الملك أو الشيخ أو الامبراطور أو القائد. وهذه الأيام أصبحت جميع السلطات قادرة على سن القوانين التي تريدها باسم المصلحة العامة. هل ترى أي فرق بين هذه الأنواع من السلطات من حيث قدرتها على سن القوانين؟ هل تعتقد مثلا أن السلطة الديمقراطية أقل قدرة على سن القوانين؟ حسنا، هل تعرف كيف وصل هتلر إلى السلطة؟ هل كانت الانتخابات التي نجح فيها حزبه انتخابات ديمقراطية؟ وهل كانت القوانين التي سنها قوانين باسم الأغلبية؟ انظر إلى أشكال السلطة التي تمارس أشنع أنواع العدوان على البشر هذه الأيام، هل تعتقد أنها جميعا سلطات غير ديمقراطية أم أن بينها سلطة ديمقراطية؟ أصلا هل تعرف سلطة ديمقراطية لا تعتدي على الناس بقوانين تسنها باسم الاكثرية؟

ربما كنت توافقني الرأي في ما سبق، ولكنك تريد أن تدافع عن سلطة محددة تعتقد أنها لا تعتدي على الناس، وفي هذه الحالة أسألك بصراحة، هل تعتقد أن حزبك دائما على حق، أو أن دولتك دائما على حق، أو أن شيخك دائما على حق، أو أن ملكك دائما على حق؟ أو أن قائدك دائما على حق؟ ألا ترى أن بعض قرارات السلطة السياسية أو الدينية أو سلطة الأمر الواقع مبالغ فيها لدرجة غير مبررة، وربما يعتبرها البعض اعتداء عليهم؟

أنا لا أعرف أحدا يرى السلطة دائما على حق، وأغلب من أعرفهم لا يتوقفون عن تعداد مساوئ قرارات السلطة التي تسيطر على حياتهم، ويستطيعون تعداد عشرات الاعتداءات التي تمارسها السلطة عليهم شخصيا، ولكنهم لا يتجرؤون حتى على التفكير بكيفية الرد على هذه الاعتداءات.

الكثيرون ممن أعرفهم يعتبرون الخضوع لعدوان السلطة نوعا من ممارسة المواطنة، ويبررون ذلك بشتى أنواع التبريرات. وكلما ازدادت السلطة استشراسا في العدوان يجهد هؤلاء في إيجاد التبريرات لها، وهم بذلك يبررون لنفسهم خضوعهم المطلق وخسارة حقوقهم بالتدريج.

أنا ما زلت عند رأيي أنك قادر على تحديد الصح والخطأ وفق أخلاقك أنت، بغض النظر عن ما تقوله السلطة وقوانينها التي تزداد عدوانا بالتدريج في كل مكان في العالم، وإذا كنت توافق السلطة في كل شيء حاليا، فإلى متى ستستمر بموافقتها؟ ما الحد الذي يتوقف عنده خضوعك المطلق؟ بعض الناس يقبلون أن تجعل منهم السلطة انتحاريين يقتلون نفسهم لتنفيذ مهام السلطة، فهل تعتقد أنك يمكن أن تقبل ذلك أنت؟ بعض الناس يقبلون أن تجعل منهم السلطة قتلة يقتلون الآخرين لتنفيذ مهام السلطة، فهل تقبل ذلك أنت؟

لاحظ أن كل أنواع السلطات تنتج انتحاريين وقتلة، من السلطات الدينية إلى السلطات السياسية إلى سلطات العصابات، إذا كنت تعتقد أنك لا تقبل أن تصبح انتحاريا أو قاتلا لصالح سلطة ما فهل تعتقد أنك مستعد لرفض بعض أوامر أو تعليمات السلطة؟ هل تثق بأن أخلاقك تدلك على الطريق الصحيح في حالتك، حتى لو اعتبرتك السلطة خائنا أو مرتدا أو عميلا أو مجرما أو ما يشبه ذلك من الأوصاف التي تطلقها السلطات على من يخالفونها الرأي؟

لاحظ أن هذا السؤال افتراضي، ويتعلق باعتقادك وليس بما يمكن أن تفعله في حالة ما. ما يفعله الشخص يتعلق بالظروف، ولكن ما تعتقده ينبع من أخلاقك وفهمك للصح والخطأ، وقد ناقشناه في حوارنا الأول.

أنا أعرف أشخاصا يقبلون أن يصبحوا قتلة لصالح السلطة ولكن لا أعرف أحدا يعتقد أنه يوافق أن يصبح انتحاريا لسلطة ما، فهل تعرف أنت شخصا يقبل أن يصبح قاتلا أو انتحاريا لصالح السلطة؟ لا شك أن هناك أشخاصا يفكرون بهذه الطريقة، ولا شك أن هناك أيضا أشخاص أكثر يقبلون أن يمارسوا أشكالا مختلفة من العدوان على الناس باسم سلطة ما. وحتى عندما تنظر إلى هؤلاء تجد عددهم قليلا قياسا بمن يتعرضون للعدوان. إذا كانت أخلاقك ترفض العدوان فهل تقبل أن تمارسه باسم السلطة؟ أنا لا أظن ذلك، بل أعتقد أن من ترفض أخلاقه العدوان على الآخرين لا يقبل أن يشارك في العدوان حتى عن طريق الانتخاب، ولكن للأسف بعض الناس يقبلون أن يمارسوا العدوان، بل يفخرون بممارسته، وتجد ذلك في منفذي كل السلطات، من سلطة العصابات إلى السلطات السياسية والدينية. بعض منفذي السلطة يعتبرون أن العدوان على الناس خدمة للناس، ويعتبرون أن واجبهم هو خدمة الناس عبر الاعتداء عليهم، فما رأيك بذلك؟ هل تعتقد أن الشرطي الذي يطبق قانون السلطة يخدمك أنت أم يخدم السلطة التي تعتدي عليك بقوانينها؟ هل تعتقد أن الشرطي الذي يطبق قانون السلطة يخدمك أم يعتدي عليك؟ فكر جيدا في هذا السؤال، وابحث عن إجابة صريحة له في أعماقك بناء على أخلاقك ومبادئك أنت، فالإجابات الجاهزة عليه كانت أحد عوامل نشوء أشنع أنواع الديكتاتوريات في الماضي، وهي أيضا أهم عامل من عوامل استشراس السلطات المختلفة هذه الأيام، حتى وصلوا إلى منع التجول ومنع استقبال الضيوف في المنازل.

كل هذا ليس من أفكاري، أنا لم أكتب تاريخ السلطات التي عرفها البشر منذ آلاف السنين، أنا لم أخترع فكرة المقاومة، أنا لم أكتب ناطورة المفاتيح، ولست أنا من قال إن الليل زائل. أنا فقط أسألك أسئلة كانت شائعة في السابق وأصبحت الآن غير مألوفة مثل هل تعتقد أنك تتعرض للعدوان بشكل مستمر، وهل تعتقد أنك تتعامل مع العدوان كما تعتقد أنه يجب أن تتعامل معه؟

الأيهم صالح

 

 

القنوات
الموضوع

دعوة للمشاركة

موقع الأيهم صالح يرحب بالمشاركات والتعليقات ويدعو القراء الراغبين بالمشاركة إلى فتح حساب في الموقع أو تسجيل الدخول إلى حسابهم. المزيد من المعلومات متاح في صفحة المجتمع.