حوار معك 5

المؤلف أو الضيف
الأيهم صالح
الوصف

تثير أسئلتي ردود فعل مختلفة بين من تصلهم. العديدون يحبون مناقشة هذه الأسئلة مع أصدقائهم، ويرسلون لي ردودا، والعديدون أيضا مدهوشون من رغبتي في نقاش أفكار تبدو لهم بديهية وطرح أسئلة تبدو لهم محرمة، والأغلبية يشكرونني ويشجعونني على الاستمرار. أكثر سؤال سبب رد فعل سلبي ممن ردوا علي كان سؤالي "ما الفرق بين خضوعك الطوعي للسلطة وبين خضوع عبد لسادته لأنه وجد وعاش حياته عبدا" وقد وجه لي هذا السؤال نفسه بعض من ردوا علي، ولذلك لأول مرة في هذه السلسلة سأطرح بعض أفكاري بعد أن كنت أكتفي بسؤالك عن أفكارك.

العبودية نظام اقتصادي تطور ليصبح نظاما اجتماعيا. كنظام اقتصادي سد العبيد حاجة سوق العمل إلى العمالة الرخيصة، ومع انتشار العبيد وتزايد عددهم وتزاوجهم ونشوء أجيال منهم أصبحت العبودية نظاما اجتماعيا.

يشتري السيد عبدا من النخاس ليستخدمه في العمل. بالنسبة للسيد، العبد استثمار، مثل استثمار الصناعي في موارده في عصرنا. وعندما ينتقل العبد إلى العمل في منزل أو مزرعة أو منشأة ما، يصبح السيد مسؤولا تماما عنه. بمنطق هذه الأيام، يقدم السيد له المسكن واللباس والغذاء الجيد لكي يصبح قويا وتزيد انتاجيته، ويقدم له ضمانا صحيا كاملا لتجنب مرضه لأن السيد حريص على استثماره. ولتطوير الاستثمار يقوم السيد بتزويج العبيد والجواري ويقدم لهم سكنا مستقلا ليشعروا بالاستقرار وليصبح الهرب أصعب عليهم، ولينجبوا أولادا يصبحون هم أيضا عبيدا للسيد، وفي يفاعة الأطفال يشرف السيد على تعليمهم مهنة مفيدة ليستفيد منهم قبل أن يكبروا ويصبحوا عبيدا جاهزين للبيع أو للعمل في المزرعة.

بمنطق هذه الأيام، العبودية نظام اقتصادي يقدم للعمالة الطعام والمسكن والطبابة والتعليم المهني مجانا، وهي ميزات لا يقدمها أي نظام اقتصادي آخر حاليا. فلماذا يثور العبيد؟ الجواب قد يفاجئكم، فأغلب العبيد لم يثوروا ضد هذا النظام وقبلوا به. قد يكره العبيد سيدهم في بعض الأحيان، ولكن أغلب العبيد عاشوا حياة مستقرة في المناطق التي شهدت عبودية، وكانوا يحذرون أولادهم من محاولة الهرب أو من محاولة مخالفة النظام الذي يضعه السيد. استمر نظام العبودية آلاف السنين لأن الغالبية الساحقة من العبيد الذين ولدوا في هذا النظام لم يعرفوا غيره، لم يكن بإمكانهم تخيل حياتهم بدون الطعام والمسكن والطب الذي يقدمه لهم السيد. كان هذا وضع أغلب العبيد في جميع الأماكن التي انتشرت فيها العبودية، ومازال مستمرا إلى الآن في المناطق التي ينتشر فيها هذا النظام. العبيد قد يكرهون السيد ونظامه ولكنهم لا يستطيعون تخيل حياتهم بدون سيد. بعد الجيل الثالث أو الرابع في العبودية لا يعرف أغلب العبيد كيف سيأكلون وأين سيعيشون ومن الذي سيحميهم من الأخطار إذا اختفت سلطة السيد، ولذلك فهم يتمسكون بها ويعلمون أولادهم التمسك بها والدفاع عنها في بعض الأحيان. مع تحول العبودية إلى نظام اجتماعي تمكن السادة من انتزاع إحساس العبد بالمسؤولية عن نفسه، وعلموه تسليم المسؤولية عن كل تفاصيل حياته للسيد.

طبعا هناك أقلية نادرة بين العبيد كانت تحاول الهرب من هذا النظام وشق طريقها في العالم، وقد دفعت أثمانا قاسية في كل مراحل التاريخ، فسلطة السيد لا تقبل التحدي، ومن يخالف النظام سيدفع الثمن باهظا.

حسنا، ما المشلكة في هذا النظام؟ إذا كان العبد راضيا والسيد راضيا، وكلاهما لا يرغب في تغيير النظام، فلماذا ننظر إليه هذه الأيام نظرة سلبية؟ بالنسبة لي، أعتقد أن المشكلة الأساسية في ذلك النظام هي أنه قسري وليس طوعيا. العبودية نظام يجبر فيه أشخاص أشخاصا آخرين على ما قد لا يوافقون عليه. في هذا النظام ينتزع بعض الناس حرية الاختيار من أناس آخرين، ويفرضون عليهم ما لا يوافقون عليه. أنا أعتبر ذلك اعتداءا من فئة على فئة أخرى. وما يحصل في كل السلطات المنتشرة حاليا في العالم هو نفس النوع من الاعتداء، السلطة تجبر أشخاصا على ما قد لا يوافقون عليه، وتنتزع منهم حرية الاختيار.

السلطة لا تقبل أن تختار الخضوع لبعض قوانينها. السلطة تعاقب من يخرق قانونا واحدا مرة واحدة حتى لو كان خاضعا خضوعا مثاليا لكافة القوانين الأخرى طيلة حياته. السلطة تسمح لك بخيار واحد فقط هو الخضوع التام لها تحت طائلة العقوبات القاسية، والتي قد تصل إلى السجن لسنوات. السلطة تستطيع سن ما تريد من القوانين، وتفرض عليك أن تخضع لهذه القوانين مهما كان موقفك منها.

وفي النظام الاجتماعي السائد حاليا في العديد من دول العالم وصلت السلطة إلى حد انتزاع إحساس من تحكمهم بالمسؤولية الشخصية عن ما يحصل معهم، فالعديد من أنصار السلطة يعتقدون أن تأمين عمل لهم هو مسؤولية السلطة، وتوفر احتياجاتهم اليومية مسؤولية السلطة، وحمايتهم من الاعتداء مسؤولية السلطة، وحاليا يعتقد الكثيرون أن من مسؤولية السلطة حمايتهم من المرض، وعندما تقول لهم السلطة تنفسوا بهذه الطريقة يقبلون طوعا، لأن السلطة أدرى منهم بأفضل طريقة للتنفس. بالمقابل يشعر الأشخاص المسؤولون أن مسؤوليتهم الشخصية إيجاد العمل المناسب، وتوفير الاحتياجات الضرورية، وحماية نفسهم من الاعتداء، ويرغبون بأقل تدخل من السلطة في حياتهم الشخصية.

أستطيع أن أناقش جوانب كثيرة لتشابه النظم الاقتصادية والاجتماعية السائدة حاليا مع نظام العبودية، وربما أعود إلى ذلك لاحقا إذا ساقني النقاش في ذلك الاتجاه. ولكنني الآن سأكتفي بالفكرة الأساسية للتشابه الجذري بين النظامين. السيد يعتدي على عبيده، والسلطة تعتدي على من تحكمهم. وما ينتج عن العدوان في النظامين متشابه لدرجة كبيرة مع اختلاف بسيط في التفاصيل.

أنا لست ضد من يختار أن يصبح عبدا، هذه حياته وهو حر بها، وإذا كانت العبودية خياره في ممارسة حريته فهو المسؤول عن ذلك. أنا شخصيا لا أقبل أن أصبح لا سيدا ولا عبدا، ولكن لا علاقة لي بخيارات الآخرين.

وأنا أيضا لست ضد من يختار أن يخضع للسلطة، هذه حياته وهو حر بها، وإذا كان الخضوع للسلطة خياره في ممارسة حريته فهو المسؤول عن ذلك. أنا شخصيا لا أقبل أن أتسلط على الناس، ولا أعترف بتسلط أحد علي. قلت سابقا وأكرر الآن أنني أرى أية سلطة تعتدي علي بمثابة سلطة احتلال. ويسعدني جدا أن الكثيرين ممن ردوا علي أبدوا تأييدهم لهذا الرأي، واستعدادهم لمقاومة الاعتداء من قبل السلطة.

ولعل أنجح ما فعلته أسئلتي كان تحريض بعض من ناقشوها على التفكير بحياة خالية من اعتداءات السلطة عليهم. لا أدري إلى أين سيقودهم هذا التفكير، وكلي أمل أن يكون فاتحة لدحر أحد أقدم الوساوس التي تعشعش في صدور الناس، وهي وسواس حاجة الإنسان إلى سلطة تسيطر عليه، سواء كانت سلطة إلهية أو سياسية أو سلطة عصابة أو سلطة ديمقراطية منتخبة وفق الدساتير التي فرضت على الناس رغما عنهم.

 

القنوات
الموضوع

دعوة للمشاركة

موقع الأيهم صالح يرحب بالمشاركات والتعليقات ويدعو القراء الراغبين بالمشاركة إلى فتح حساب في الموقع أو تسجيل الدخول إلى حسابهم. المزيد من المعلومات متاح في صفحة المجتمع.