عشرون عاما من الاسر

"يا بنتي من وين الطريق الى كراجات حلب ؟ بدي اروّح حلب ....هاي هوا العنوان"
بلكنته الفلسطينية المتعبة قال لي ذلك , اقتربت منه فسلمني ورقة بيضاء صغيرة كتب عليها حلب – المخيمات
رجل –ان كان بقي مكان في جسده وتاريخه ووجدانه يتسع لرجولة-...لا يمكن ان تتكهن لأول مرة سبب ارتدائه سترة ضيقة وبنطال قديم قصير وانتعاله حذاء صيفي في برد كانون , قد نتوقع فقرا مدقعا ...........
"من هنا يا عم جسر الرئيس على بعد مئتي متر فقط اركب مزة جبل كراجات ...تعرف جسر الرئيس أليس كذلك؟؟"
"انها المرة الاولى التي اتي فيها سوريا ... نزلتني السيارة القادمة من بيروت هنا وقالوا لي –دبّر حالك- اليوم اطلقوا سراحنا من الاسر ....... عشرون عام من الاسر ........اتت هيئة الامم المتحدة لتطلق سراحنا ... دخل بعض الرجال وسألوا من نكون نحن؟ اخبروه اننا من مخيمات صبرا وشاتيلا ...... قالوا كلمات انجليزية والساعة الواحدة ظهرا فتحوا لنا الابواب..... اعطوني هذه الورقة ......."
انه احمد سليم –ذو 66 عام – من قضاء طبريا ... عشرون عام من الاسر ومازال يقول" اتت هيئة الامم المتحدة لتطلق سراحنا" لم ينتبه ان هؤلاء الرجال تعثروا به وبصديقه الاخر فخطر ببالهم ان يسألوا من تكون هذه الكومة؟

 


احسست انني امام كتلة متعبة من الضياع والتشرد .... مشيت معه ومع صديقي الذي رافقني الى موقف الباص ...كنت انا وصديقي كل منا يضمر آلاف الاسئلة .....
"لماذا الى حلب يا عم؟"
"اخبروني هناك في لبنان ان عائلتي واولادي اسكنوهم في مخيمات في حلب اريد ان اصل اليهم"
مشينا قرابة ربع الساعة وانا افكر .........قبل ان يدخل لم تكن هناك حتى هذه الباصات التي سنركبها ... واضح تماما انه ينظر الى كل شئ باستغراب .... لم تكن هناك حتى الهواتف الالية .......
ان كان عمر طفلته حين تركها سنوات ... سيراها اليوم ام لأطفال...
وزوجته ماذا حل بها أي تشرد عاشته هذه المسكينة بعد اسره... ونقلهم الى حلب....
"مارأيك يا عم ان ندخل الى مطعم قريب نتعشى ثم تغادر الى حلب؟ المطعم قريب"
"ارجوك يا بنتي اريد ان اصل حلب "على ضو " قالوا لي انها تبعد 5 ساعات عن الشام"
سأله صديقي "كيف وصلت الى الشام؟"
"وصلت الى الحدود السورية اللبنانية ... مرت سيارة سألوا السائق الى اين طريقه أخبرهم انه في طريقه الى الشام فنقلني معه و انزلني هنا ...كم ربي كريم الذي جعلني التقي بكما"
كم قدري حكيم حين وضع في طريقي حالة لا تتكرر كل يوم ولا تواجه أي شخص ....
فتحوا له ابواب المعتقل ولم يضعوا حتى فلسا واحدا في جيبه وكان لا بد ان "يدبر حالو"....
نحن الذين نعيش حياتنا الطبيعية يصعب علينا ان ندبر حالنا احيانا فكيف على هذا المسكين ان يدبر حالو؟؟؟!!
اعطيناه ما يضمن وصوله وتجواله وطعامه في حلب .... سلمته الورقة التي اعطاني اياها بعد ان ساعدني صديقي بكتابة رقم جوالي وترجيناه ان يكلمنا ان لم يجد اهله....
غادر الشام احمد سليم .... غادر بنظراته التائهة رفع لي يده من الشباك ملوحا داعيا....لن انسى اصابعه المقطوعة انها اخر ما رأيت ........
مشيت انا وصديقي الى المطعم القريب لم نتكلم أي شئ .........بقينا صامتين ...... اعرف انه كان في وضع نفسي سئ منذ اول النهار فقررت ان اكسر الصمت ... شلت في اول ما نبست به شفتاي ....."واو واو ...."
عشرون سنة........ فردد خلفي "عشرون سنة الكلاب...يعمل لديهم اعمالا شاقة يعذبوه ويهينوه.. الكلاب "
لم يخطر ببالي وقتها الا انني اتمنى من كل قلبي ان يكلمني بعد فترة ويخبرني انه وجد اهله واسترد عافيته... بدأت احلم بسيناريو لذلك اليوم "يا بنتي هذا انا الاسير اكلمك من حلب .... وجدت عائلتي كلهم بخير ... تعرفوا علي ... انا بصحة جيدة ....اريد ان اعمل لأكسب عيشي"
تنشط دماغي بطرقة عجيبة "ماذا سيعمل بعد ان قطع هؤلاء السفلة اصابع يديه؟"
اثار التعذيب واضحة على قسمات وجهه على ظهره المتحدب...
"لا بد ان يتكلم معي قريبا ويخبرني انه بحال جيدة"
"هيا يا صديقي نحمد الله اننا هنا اولا و اننا قدرنا ن نقدم له جزء مما يجب ان تقدمه له الشرية بأكملها لهذا المسكين اعتقد اننا ذكرناه باسمه اليوم وبانك حين وضعت يدك على كتفه اشعرته بما حاولوا ان ينسوه اياه هؤلاء الكلاب ...
المواضيع
الأشخاص

التعليقات

ibr

الانسة منار المحترمة عندما قرأت هذه القصة تذكرت كلام شقيقتي التي أخبرتني بقصة جرت معها في دمشق وفيها مواصفات الرجل و كلامه مشابهة كثيرا لقصتك مع فارق زمني قدره ثلاث أشهر ... لذلك أرجو منك أن تحددي لي موعد هذه الحادثة التي جرت معك و للحديث بقية ...
اللغة
Arabic

دعوة للمشاركة

موقع الأيهم صالح يرحب بالمشاركات والتعليقات ويدعو القراء الراغبين بالمشاركة إلى فتح حساب في الموقع أو تسجيل الدخول إلى حسابهم. المزيد من المعلومات متاح في صفحة المجتمع.