غيورغي فاسيلييف: حكاية غير مختَلَقة

حكاية غير مختَلَقة

قصة بقلم
غيورغي فاسيلييف – موسكو


عزمتني بنت سورية، تعرفت عليها بالصدفة، حينما تهت في احد شوارع الشام، وكنت عندها ابحث عن المركز الثقافي الفرنسي. وصدف ان سألت شابا، وكما تبين لي فيما بعد انه دلني خطأ قصدا وعمدا. وصلت الى المكان الذي دلني عليه الشاب، ولكني لم اجد المركز الثقافي، بل وجدت نفسي في حي من احياء دمشق القديمة المعتمة الضيقة، وكأنها ترعة عميقة جدا لساقية ماء جف مجراها. بيوت مرصوفة على حافتي ترعة، على خط و نسق واحدين، لاتزورها الشمس.
سابقا كنت اظنها شوارع جميلة، اما الآن ... ربما لست محقة، وفيما بعد فهمت اني محقة، وغير محقة في نفس الوقت.
وتهت هناك ايضا، وبدأ بعض الشباب بالتحرش بي، ولكنني طلبت من امرأة عجوز، وجهها بدا لي كقشرة شجرة صنوبر هرمة في ضواحي باريس، عرفت كل الأوقات، والأزمان والفصول، وكل الأنواء والأجواء. وكل هذا ترك على وجهها بصماته تعبيرا ان هذا أوذاك كان هنا، كما يفعل كل المحبين، اذ يتركون ذكرى يحفرونها على جذع شجرة. طلبت منها وبلغة عربية مقبولة مساعدتي في الخروج من ذلك الحي، وان كانت تعرف عنوان المركز الثقافي، واعطيتها ورقة مكتوب عليها عنوان المركز، لكنها اجابتني بأنها لا تقرأ ولا تكتب، وطلبت مني ان اقرأ لها العنوان، فقرأته لها، وقالت ان العنوان المطلوب في حي آخر وفي الجهة المقابله، وقالت انها ستساعدني بكل سرور ودعتني للذهاب معها، وما ان مشينا بضع خطوات حتى رأيت ذلك الشاب الذي دلني خطأ، ونظر الي بعنين جائعتين واستقرت عيناه على صدري، وفيما بعد على ساقي والمنطقة الواقعة عند انفراج الساقين؛ على فكرة، انا فتاة فرنسية شقراء، عيوني زرقاء، وممتلئة قليلا، لست نحيفة ولست سمينة، أقرب الى النحافة منها الى السمنة، حتى في فرنسا كل زملائي واولاد حارتنا كانوا يتوددون الي، وكانوا ويطلبون صحبتي وحبي و... وبالنسبة للناطقين بالعربية هنا في فرنسا فقد كنت مثل كنيسة لايجوز المرور من امامها الا وترسم علامة الصليب، والفرق هنا انهم كانوا بنهم يصلوبني انا على صليب رغباتهم المكبوتة!
وهنا في الشام احس عيون الناس تلاحقني مثل ظلي، حتى بدا لي ان لعيون الناس ايدي، ولهذه الأيدي اظافر تنغرز بإحكام في تلك المناطق المقدسة المحرمة من جسدي، ولااعرف لماذا لايستطيع احد من الرجال ان يتكلم معي بهدوء. وحين استفسر عن شيء يبلع الرجال ريقهم وكأنهم على شفا الاختناق وتبدأ تفاحة آدم بالصعود والهبوط كما طيارات الورق التي كنت العب بها في طفولتي.

 

وهنا قلت للعجوز ان ذلك الشاب هو الذي دلني على هذا الحي، عندما رجوته ان يدلني على المركز الثقافي. نظرت العجوز اليه وقالت: "أللا (الله) يلعن اولاد الحرام!، يلا يا بنتي مشي ولا تتطلعي فيه، من وين انت، بيخطرلي انك غريبي (غريبة)، مو هيك؟" فقلت لها أني فرنسية، واني ادرس اللغة العربية في المعهد، وانني جئت الى الشام فقط منذ اسبوع، وان اسمي ماري. فقالت: " اهلين و سهلين يا بنتي ببلدنا، تأدس (تقدس) اسمك يابنتي، وسامحيني يا بنتي، وسامحي هالشباب الضايعين، اللا (الله) يهديون"!
ومشينا بضع دقائق، ولاحظت انها تمشي بصعوبة، وطلبت منها ان تدلني كيف اذهب الى هناك، واني استطيع الذهاب ولا داعي لتغليبها معي. قالت :" يا بنتي انا رح وصّْلِكْ ل راس الشارع، وبعدين من هنيكي بْدِلِّك"! وما ان وصلنا الى رأس الشارع حتى اوقفت العجوز فتاة لا تعرفها – كانت محجبة، وجهها مفتوح، وجميلة ولها ابتسامة جذابة تجعل المرء يعتقد انه يعرف هذا الفتاة منذ قرون وقرون. انتقتها من عدة فتيات كن ماشيات هناك وقالت لها:"مرحبا يا بنتي، اللا يرضى عليك و يخليك ل أهلك، هالبنت غريبي، وَصْلِيَّا للمركز الافرنسي، إي يا بنتي؟ اللا يخليك!" وأجابت الفتاة بعد ان نظرت الي وبعد ذلك الى العجوز : "ولو ياستي من عيني وراسي، شو اسمك – توجهت الي بالسؤال، فقلت ماري-، اهلا ماري! اسمي ياسمين، انت فرنسية؟ – فقلت نعم، وتبادلنا نظرات قصيرة، لكن معبرة، وفهمت اننا تفاهمنا، ولأول مرة، فكرت، هنا في سورية اجد تطابقا بين اسم ودلالته، وفعلا كانت كانت تشبه الياسمين!". قالت العجوز: "روحي يابنتي، اللا يخليكِ لَأَهلك، ويبعتلك ابن الحلال!"
شكرت العجوز على كل شيء، واردت الذهاب برفقة ياسمين، لكن المرأة استوقفتني وقالت لي :"يابنتي انت غريبي، واولاد الحرام كتار، والبنت متل الوردة، بْتِطَلَّعي فِيَّا حلوي، بْتِلْمسيَّا بتدْبُل وبتموت، ديري بالك على حالك، بجاه النبي يحيا ويعقوب ومحمد! اللا يحميك، ويرجعك لأهلك سالمي (سالمه)"! مرة اخرى شكرتها وذهبت مع ياسمين، التي ودعت رفيقاتها واتفقن على اللقاء غدا في الجامعة.
مشت ماري وياسمين عدة خطوات صامتتين، وقطعت ماري هذا الصمت وسألت: "في اي كلية انت تدرسين"؟
"في كلية الآداب، قسم اللغة العربية، اجابت ياسمين، في السنة الثالثة، وانت"؟ سألت ياسمين.
"انا في السنة الرابعة في السوربون، قسم اللغة العربية"، قالت ماري.
ياسمين: "لغتك العربية جيدة جدا، وماذا تفعلين هنا في دمشق؟"
ماري: "ارسلتني الجامعة في دورة تدريبية وتعليمية لمدة سنة".
ياسمين: "جامعاتكم مدهشة والتعليم عندكم مدهش، يرسلون الطلاب في دورات لغوية، الى بلدان اللغات التي يدرسوها، هذا شيء لايصدق، كالحلم، وهل ابوك او اخوك او اقرباؤك ساعدوك في الحصول على امكانية السفر الى هنا؟"
ماري: "انا لاافهم، وما دخل اقاربي بسفري؟"
ياسمين: "انا عنيت ان المرء عندنا لكي يحصل حتى على جواز سفر، فكيف بالسفر اذن؟ يحتاج الى معارف وفيتامين (و)، وحتى فيتامين (م، أو، ف)!
ماري: "انا ايضا لا افهم، ما علاقة الفيتامينات بالسفر وبجواز السفر؟"
ياسمين: "فيتامين (و) يعني الواسطه أو الوساطة، يعني يجب ان يكون هناك شخص نافذ في الحكومة لكي يساعدك في الحصول على ماتريدين، وفيتامين (م او ف)، يعني ان يكون معك او ان تدبري مصاري او فلوس، وبها يمكنك حتى ان تفعلي كل كل شيء".
ماري: "حقا، عش قرنا ، ادرسْ قرنا"، هذه اول مرة اسمع فيها بحياتي عن مثل هذه الفيتامينات، والبروتينات، ... وليس عندي اطلاقا معارف او نافذون في الحكومة، لقد كتبت طلبا، درسته الجامعة في فترة شهر، وقررت ارسالي لمدة سنة الى جامعة دمشق، الى معهد تدريس اللغة العربية للأجانب، وهذا كل شيء".
ياسمين: "انتم متخلفون جدا في اوربا، كل شيء عندكم يجري ببساطة، أما عندنا فالأمور امتع، وابهى، ولكي تحقق شيئا، يجب ان تدفع الغالي والرخيص من أجله، واحيانا تموت ولا تحقق أي شيء، فمثلا، ينهي الطالب عندنا الدراسة، فلكي يجد عملا، يجب ان يكون لديه مال، ليدفع رشاوى لهذا او ذاك، ولكي يكون عنده مال، يجب ان يكون لديه عمل، ويجب ان يكون لديه دخل. والعمل عندنا لايعطي دخلا، ولايسمح للناس حتى بحفظ ماء الوجه! عندنا يدرس المرء 12 سنة في المدرسة، واربع او خمس سنوات في الجامعة، ليجد نفسه عاطلا عن العمل. وحتى من هو موظف هو ايضا عاطل، لكن براتب! في العمل عندنا يشتغلون ببعضهم البعض، يغتابون هذا او تلك، يشربون الشاي ، ويأكلون الفول بالزيت، او المْسَبَّحا (المسبحة) بالزيت؛ حتى ان سورية اصبحت تعطل يومين في الأسبوع، بدلا من يوم واحد، هل تعلمين كم وفرت الدولة من النقود؟ ملايين، فقط من توفير الطاقة الكهربائية التي كانت تصرف لغلي الشاي والقهوه والمته!! لو كنت مكان الدولة لدفعت للموظفين رواتبهم، وليغلوا ويطبخوا وينفخوا في بيوتهم، لوفرت الدولة المليارات"!
ماري فهمت الكثير مما قيل ولكن كان هناك كثرة الاستعمال كلمة "شيء" وكلمات اخرى لم تفهمها. اما ياسمين فهي طيبة جدا ومثلها مثل كل السوريين يفتحون قلوبهم لكل اوربي او امريكي شاكين تعاسة الحياة ومن كل شيء! سيما وان السوريون يخافون من الحيطان، لانه يمكن ان يكون لها آذان تسمع وتنقل ما يقال ومايسمع الى من يعنيه الأمر، الى المخابرات التي اصبحت ثاني اثنين، تدخل كشريك بين القشرة والبصلة، وبين الفراش واللحاف، وبين الجورب ولحم الساق. حتى ان عزرائيل استقال من عمله بعد ان اخذت المخابرات السورية دوره على عاتقها.
وسرعان ما وصلتا الى المركز الثقافي، حتى انهما وقفتا بعض الشيء امامه لاكمال ذلك الحديث، وطلبت ياسمين من ماري زيارتها في المدينة الجامعية في منطقة المزة، بعد ان اعطتها العنوان وبعد ان وعدتها بمساعدتها في فهم وامتلاك ناصية اللغة العربية، وشكرت كل منهما الأخرى وافترقتا على امل اللقاء بعد يومين في المدينة الجامعية عند ياسمين في الوحدة (n)، الطابق (b)، الغرفة رقم (d)، أي يوم الأربعاء.
ياسمين فتاة حمصية تدرس في دمشق، وتعيش في المدينة الجامعية التي بقي منها الاسم فقط، لان عدد الطلاب الذين يسكنون هناك يقل من عام الى عام، ولأنها تحولت الى سكن لأقرباء واولياء القائمين على امرها، او لأن اولاد كبار المسؤولين وأصدقاءهم استولوا على اكثر من نصف ابنية المدينة، ولأنها تحولت الى احدى المعالم التاريخية، والسياحية، والجنسية الجغرافية لمدينة دمشق بكاملها. ومن يزور دمشق ولايزور المدينة الجامعية كأنه لم يزرها، حتى يمكن القول انه لكل مواطن سوري وطنان، بيته والمدينة الجامعية!
وبعد يومين ذهبت ماري الى المدينة الجامعية وما ان اقتربت منها حتى ظنت انها اخطأت العنوان وانها امام وحدة عسكرية لان المدينة محمية بعناصر المخابرات المسلحين ببنادق روسية الصنع، وبعيون اخطر من تلك البنادق التي يحملونها، وسألت طالبة عن كيف يمكنها الذهاب لزيارة شابة في الوحدة (n)، وقالت تلك الطالبة انها ذاهبة الى هناك ودَعَتْها لمرافقتها، وعلى مكتب الدخول، بعد اسئلة واجوبة مع الحراس سمحوا لها بالدخول واخبروها انها تستطيع البقاء حتى الساعة الثامنة، والساعة كانت وقتها حوالي الرابعة بعد الظهر.
سارت ماري برفقة الفتاة التي بقيت صامتة، ولم تتكلم، وكانت حزينة ومهمومة وتفكر في شيء ما. ماري ما ارادت ان تكون البادئة في الكلام. وحين اقتربتا من الوحدة المطلوبة، قالت الفتاة لماري كيف يمكنها الوصول الى المكان اللازم لها، وودعتها وذهبت باتجاه آخر. دخلت ماري الى الوحدة، وهناك طلبت منها المسؤولة في الطابق الاول جواز سفرها، وكذلك اسم ورقم غرفة من تزور، وبعد مداولات قصيرة سمحوا لها بالصعود على الدرج الى الطابق (b) لأن المصاعد لاتعمل. وصلت الى الغرفة المطلوبة ودقت الباب. وبسرعة فتح الباب وانعقد لسان ماري من الدهشة لأن ياسيمين كانت بتسريحة اوربية وبثياب اوربية وبدون حجاب، حتى ان ياسمين قرأت في عيني ماري الدهشة التي اعجبتها، ورحبت بماري بفرح وحبور، واستقبلتها بحفاوة وكأنها يعرفان بعضها البعض منذ الف عام، او اكثر!
ياسمين حضرت طاولة ما لها اخت بالنسبة لطلاب الجامعة الذين يعيشون على الأكلات السريعة والفلافل والحمص والمخللات، كان عليها الكثير من الأطعمة المعدة في البيت والتي يجلبها لها اخوها مرة كل اسبوع الى دمشق. ماري تذوقت هذه الأطعمة، بعضها اعجبها كثيرا وبعضها لم يعجبها، وبعد قليل جاءت زميلة ياسمين التي تسكن معها، واسمها رنا، وهي طالبة من اللاذقية تدرس الحقوق، وهي من اسرة عريقة في معارضة النظام، ابوها كان السجن واخوها كذلك لأنهما كانا شيوعيين. وكالعادة عندما تبدأ الأحاديث في سوريا، بدأن الحديث عن السياسة واهل الكياسة، ودار الحديث حاميا هذه المرة بين ياسمين ورنا حتى يبدو انهما نسيتا ماري ووجودها، وكل منهما توجه الحديث المقنع لماري الحكم، وماري جلست تستمع الى كل هذه الأحايث، وتذكرت كل ما قيل عن احداث ربيع اوربا، ومظاهرات الطلبة والبير كامو وجان بول سارتر، وخيل اليها انها تعيش الآن لحظات شبيهة بلحظات تلك الأحداث.
ياسمين في حمص، في المدرسة تعرفت على طالبة اسمها أنيسة، درست في المدرسة، قيل ان اباها شيوعيا. وتحادثتا كثيرا وقرأتا كثيرا، وتعرفت ياسمين على الأدب العربي الحديث، والأدب الروسي، والآداب الأجنبية الأخرى. وفي السنة الأخيرة من المدرسة حدث ان جاءت سيارة من فرع المخابرات اخذت انيسة، التي عادت فقط في نهاية العام الدراسي، وكأنها شخص آخر جاء من مجرات اخرى، وسرعان ما وضعت يدها على نفسها، انتحرت، وعرفت ياسمين من ام انيسة ان الأخيرة تعرضت للتعذيب والاغتصاب، ولم تتحمل نفس وروح تلك الطفلة التي ارادت تنظيم هذا العالم، انطلاقا من مخيلتها كطفلة، لم تتحمل اذى، وشقاء، وقسوة هذا العالم، قسوة اجهزة المخابرات السورية، قسوة اجهزة الغستابو الجديد للنازيين الجدد الذين يحكمون البلاد بالحديد والنار، ويتحكمون بمصائر الناس والعباد.
ياسمين، على فكرة، تكتب مذكراتها، واحلامها، وتكتب الشعر، والقصة، ولكنها لاتنشر اعمالها، فقط اهلها وصديقاتها واصدقاؤها المقربون يعرفون ذلك. كانت تنظر الى العالم من منظار آخر، ترى شقاء الانسان فيه، وآلامه، ومعاناته واوجاعه، ولا تفهم لماذا تحول الانسان الى آلة طاحون بدون روح يطحن كل شيء! واما رنا فكانت ككل المثقفين اليساريين يكرورون عبارات لايفهمون معناها، ومبناها، كان يعجبهم وقع بعض الكلمات، حتى انهم كانوا حين ينطقون بها، ينطقونها ببطء وتلذذ، ويستمعون الى صداها، يتحدثون عن الصراع الطبقي والمطرقة والمنجل وثورة البروليتاريا (الكلمة الساحرة) و الصراع الـ أيدلوجي ... الخ. وكثيرا ما كانت ياسمين ترد على رنا بأن الشيوعيين مثلهم مثل الإسلاميين يكرورون اقوالا لايعرفون معناها ومأخوذة من عصر لايناسب عصرنا وواقعنا، كلمات محفوظة عن ظهر غيب كما يحفظ الاسلاميون بضع آيات من قرآنهم، وتجيء ظهورهم من المتعة عندما يردودون كلماتهم وعبارتهم تلك. وكانت ياسمين تقول لرنا عن أي صراع طبقي وبروليتاريا تتحدثين ونحن في كل سوريا ليس عندنا مصنع واحد، حتى الفلاحون عندنا لايزرعون ولا يحصدون! بلادنا صحراء ونحن بدو! نحن جراد! حتى جيشنا الذي هجم على لبنان كما يهجم الجراد على حقل اخضر التهم كل اخضر ويابس واكل كل مايأكل وترك وراءه الخراب، والدمار. نصف عساكرنا اصبحوا اغنياء من سرقاتهم من لبنان، حتى النوافذ والأبواب قبَّعوها واخذوها، ما تركوا حجرا على حجر هناك. ما فعله جيشنا في لبنان لم تفعله اسرائيل في الضفة الغربية، ولاتسمح لنفسها بفعله! ولم تفعله امريكا في العراق، ولاتسمح لنفسها بفعله! ونحن كل ما عندنا هذه الشعارات الجوفاء المتعفنة، وهذه الـ بسم، وهذه ال صدق، وهذه الـ عن فلان ان علان قال ومال، وجال، وصال، حتى تحولت حياتنا الى أن فلان قال عن فلان، والى قيل وقال! انا اعتقد ان الناس الجيدين قد تم حصدهم عن بكرة ابيهم، ونحن احفاد اولئك المقطعين الموصلين الانبطاحيين المتلونين مثل حرباء، من نحن؟ نحن؟ حتى لااعرف من نحن، ولا احد في الدنيا يعرف من نحن!. نحن ويل وسيل، نحن صحراء وقارات من القحل والمحل وليس هناك من سبيل لإيقافه. كل شيء عندنا لاكما عند البشر. نحن خلقنا وابقي علينا لكي نكون عبرة ودرسا للآخرين لكي لايكونوا كما نحن. واعتقد ان الله لاعلاقة له بهؤلاء الناس وبهذه المنطقة، هؤلاء هم نحن. عندي صديقة تعيش في لندن فرت هي وابوها وامها واختها من هول ماعندنا، من هول وبطش حكامنا، وهول ورعب رجال الدين عندنا، كتبت لي تقول ان اولئك الذين فروا من هذا الجحيم ينقلوه معهم الى هناك، ينقلون صحراءهم ومواشيهم وخيمهم وبعيرهم ويطلقونها ترعى في الحدائق الجميلة الخضراء هناك وتحصد الأخضر واليابس، يقتلون بناتهم وزوجاتهم باسم الشرف والدين، لمجرد انهن يتغنين بالربيع فيهن، ويحلمن بإطلاته، لمجرد ان الفتاة تمشي مع شاب، فماذا نرجو من هؤلاء القتلة؟! حتى انه خطر ببالي، نحن نستورد الثيران الهولندية لتحسين انسال ابقارنا، ونستورد الشتلات، لتحسين شتلاتنا، وبتلاتنا، ونحن نحتاج الى ذلك التحسين في الانسال، والأنساب، والجنس والنوع!
ماري كانت تنظر الى ياسمين ولاتصدق ماتسمع! وهل فعلا الأمور سيئة الى ذلك الحد؟ وياسمين كانت هذه المرة اكثر وضوحا، وأبلغ تعبيرا، ورنا التي اعتادت على الحوار والثرثرة، والأخذ والرد سكتت، وكأنها ،ولأول مرة، ترى ياسمين التي احمرت وتألقت، وشعت عيناها، وهي لم ترها من قبل هكذا، في مثل هذا الحال، ومثل هذا التألق ، ونطقت بعبارة خرجت اتوماكيكيا وكأنها صلاة: "انت، ما أجملك، وما أرهبك ياياسمين"!
اعتذرت ياسمين من الجميع، وعلى انها كانت طول الوقت تتكلم، واقترحت تغيير الجو، بأن يمشين قليلا في المدينة الجامعية. ماري وافقت، اما رنا فقالت انها ستلحق بهما، ويمكن لا، لأنها تريد أن تحضر اكلة تبولة، ووافق الجميع. وما ان خرجت ماري وياسمين التي ارتدت الحجاب الذي يغطي الشعر فقط وبحيث يبقى الوجه مفتوحا، والذي دهش ماري حتى الأعماق، كيف يستطيع مرء يفكر كما تفكر ياسمين، ومع ذلك ترضى ان تلبس الحجاب؟ وخطر بذهنها ان، ان تسأل ياسمين فيما بعد.
أما رنا، فأسرعت الى دفتر مذكراتها، وبدأت بتدوين ما سمعته من ياسمين، خصوصا، وأنه من السهل الكتابة عندما يكون كل شيء طازج، فقط خذ وسجل. ونسيت في حمة التسجيل التبولة، وغير التبولة، سيما وأن ياسمين عادت ومعها ماري التي بدت مصفرة وترتجف وكأن شيئا ما رهيبا قد حصل للتو! واستفسرت رنا عما حصل من ماري التي كانت طول الوقت تتمتم تارة بالفرنسية وتارة بالعربية بشكل غير مفهوم. وبعد ذلك توجهت الى ياسمين وسألتها "شو صار، شوصار، إلِّيلي (قولي لي)؟" وبدأت ياسمين تقص على رنا ما جرى معهما، وقالت: "ما ان خرجنا من الوحدة واتجهنا باتجاه الوحدة (هـ) حتى سمعت ماري صوت شبيها بصوت انفجار، انا اعني انفجار قنابل طلابنا، طلاب كلية الطب، واستفسرت ماري عن هذا الصوت، فقلت لماري عما يجري عندنا في المدينة، خصوصا، وان طلابنا لايقرؤون، وليس في المدينة الجامعية مكتبة، او صالات رياضية، او مدينة العاب، او نواد، او حلقات بحث، او رسم، او رقص ... الخ، هناك نادي واحد هو الاجتماعات الحزبية البعثية، واجتماعات اتحاد شبية الثورة والتي فيها يتحدثون عن الامبرلالا والإسرائيلالا، وعن ان اهدافنا "وحدي حلوي شقرا"، عفوا، "وحدة حرية اشتراكية"! ولذلك يلجأ الطلاب لتمضية الوقت باجراء مباريات فيما بينهم، حيث يقوم الطلاب بشراء اكياس نايلون كبيرة الحجم تتسع لعشرة ليترات وحتى لعشرين ليترا، وهناك من تبجح بأنه ملأ كيسا بثلاثين ليترا من الماء، ويرمون بهذه الأكياس المليئة بالماء من البلاكين على القطط، او الكلاب التي تبحث عن بقايا الأطعمة في الحديقة بالقرب من حائط مبنى الوحدة، وعادة يقوم الطلاب بشراء اطعمة شهية للقطط والكلاب لإستدراجها الى تحت البلاكين، ومن ثم ليتم انزال تلك الضربات الجوية الماحقة والدقيقة الاصابة بصواريخ جو ارض، والتي تصل دقة اصابتها الى بضعة سنتمترات، وهذا ما لم تستطع الدول الكبرى المصنعة للصواريخ ان تصل اليه في دقة اصابة صواريخها، ولكنهم هناك لايعرفون عن منجزات سورية، وبالضبط منجزات طلاب كلية الطب في تقنية صناعة الصواريخ الدقيقة الاصابة. اقول يقوم الطلاب باسقاط تلك الأكياس من الطابق العاشر او الحادي عشر على القطط او الكلاب والتي تنمعس، وتنهرس تحت هذا الضغط وتتحول الى ما يشبه رغيف الخبز! وبعد ذلك يتم تناقل، وتدوال تلك الانتصارات المذهلة على الأعداء. وذلك الذي يحقق اصابات دقيقة وماحقة يعتبر بطلا قوميا بين الطلاب"!
وبعدما حكت ياسمين لماري عن تلك الأصوات جن جنون ماري، التي قالت: "هذه وحشية! وتزداد وحشيتها ان الطلاب الذين يدرسون الطب، يقومون بهذه الأعمال، ساديو اليوم اطباء الغد"!
واقتربت ماري الى مكان الصوت، ورأت قطة ممعوسة، مازال قلبها ينبض! وهنا بكت ماري وبدأت تتكلم كلاما غير مفهوم تارة بالفرنسية، وتارة بالعربية. وفي تلك اللحظة دوى انفجار آخر بالقرب من ماري مما جعلها تقفز لااراديا وقامت ياسمين بجر ماري التي لم تتوقف عن البكاء والكلام من هناك وذهبتا الى غرفة ياسمين.
واستمعت رنا الى ما قالته ياسمين، واتجهت الى ماري، وقالت: "لقد اعتدنا على تلك الأعمال، ويجب ان نحزن على البشر، وعلى يفعلونه بهم قبل ان نحزن على القطط والكلاب"!.
وهنا قالت ماري: "ان الأمر واحد ومن يعذب القطط والكلاب يعذب البشر، والعكس، من يعذب البشر يعذب القطط، ولا يمكن الفصل بينهما".
قالت ياسمين: "هذا صحيح، وانا أعرف شخصا، هو قريب صديقتي ويحتل منصبا رفيعا، وهو الذي ساعدني عن طريقها في الحصول على هذه الغرفة التي نحن فيها الآن، وقد حكت لي صديقتي ان هذا الشخص عندما كان شابا، والقصة معروفة للجميع، كان يذهب الى السوق ويشتري صيصان صغيرة عمرها اسبوع او اسبوعين، ويشعل النار في منقل عميق لكي لاتستطيع الصيصان الهرب منه، وكان يضع الصوص تلو الصوص حية في النار، وينظر اليها وهي تلفظ انفاسها الأخيرة. تصوري ماذا يفعل هذا الشخص الآن بالبلد وبالناس، هل يمكنك ان تتصوري؟ انا لايمكنني ان اتصور"!
قالت رنا: "ومع ذلك انت رحت الى هذا الرجل وطلبت منه المساعدة"!
قالت ياسمين: "انا ما رحت اليه ولم التق به، صديقتي تحدثت معه، وهو بدوره اتصل بالتلفون مع ادارة المدينة، وبعد اتصاله باولئك العاملين في المدينة والذين رفضوا حتي الكلام معي، ما ان عرفوا اني اتيت حتى خرجوا من مكاتبهم واعتذروا، وقالوا: "لماذا لم تقولي انك تعرفين فلان ..."، وانا قلت لهم ان هذا الشخص هو قريبي وما زلت حتى الآن اجني محاصيل ذلك الاتصال وتلك القرابة المزعومة، هذا هو بلدنا"!
قالت ماري: "هذا شيء يفوق الخيال وحشية وبشاعة، وحتى الوحوش الكاسرة الكاسرة في افريقيا لاتقوم بمثل هذه الأعمال"!
رنا قالت: "الوحوش البرية تقوم بهذه الأعمال، انت لم تشاهدي ذلك"!
قالت ماري: "الوحوش تقوم بفعل ذلك بدافعها الطبيعي، وهي تأخذ ما تحتاج اليه الآن ولسد جوعها، اما ان تقف تلك الوحوش على البلاكين وترمي القطط بتلك الأكياس، او ان تذهب الى السوق وتشتري الصيصان وتحرقها حية في النار مثلما فعل النازيون باليهود وغيرهم من الشعوب الأخرى، الوحوش لاتفعله ولاتقوم به"!
قالت ياسمين: "انت عظيمة ياماري! فعلا نحن نازيون في كل شيء، في نظرتنا في اهدافنا، في سياستنا، في حياتنا، في ديننا! نحن نازيون، ونريد ان نرمي اليهود بالبحر، ونازيون لأننا لانعترف بوجود اكراد، وشعب كردي ولغة كردية! ولاوجود لأرمن، أو لآشوريين، او سريان، او بربر، او غيرهم من الشعوب والقوميات التي يصل عددها حتى في سوريا الى اكثر من عشرين شعبا وقومية، نحن نقول عن انفسنا عرب، ونحن الجمهورية العربية السورية، ونبي الوحدة العربية، والقومية العربية، وضراب السخن، ونعرب كل شيء مع العلم ان العرب القادمين من صحراء الربع الخالي وشبه الجزيرة العربية، ومن اصول عربية اثناء الفتوحات والغزو الاسلامي لسوريا لايشكلون نسبة من عشرة الى خمسة عشر بالمئة من مجموع السكان، الأكراد وحدهم في سوريا حوالي خمس سكان سوريا، والدولة لاتعترف بهم، وليست لهم حقوق، وحتى لايتمتعون بالجنسية السورية، وبقية الشعوب والقوميات اوضاعها مماثلة لأوضاع الأكراد ان لم يكن أسوأ! النازية اعتمدت النظرية العرقية كأساس لايديولوجيتها، اما نحن، فاننا نعتمد العرق، والتاريخ، واللغة، والدين كأساس لنازيتنا، حتى الإسلام وهو اساس تخلفنا وجهلنا، وفخرنا بهذا الجهل وعدواتنا لكل شيء حتى لأنفسنا، وهو الذي يجعلنا نرى الآخرين حيوانات واسقط من ذلك! بما ان الاسلام آخر وحي الهي الى البشر، أي ان الله ليس لديه شيء آخر يقوله للبشر حتى يوم القيامة، وبما ان نبي الاسلام هو آخر انبياء الله للبشر، فمن لايؤمن بآخر كلمة لله، واخر نبي له، فهو كافر، وليس بشرا، ويخرج خارج اطار كونه انسانا، ولذلك ينظر له على انه بهيمة، او شاة، او دجاجة (فروج)، ولذلك يمكن ذبحه وتقطيع اعضائه، كما نقطع دجاجة (فروج) في المطبخ تحضيرا لوضعها في الفرن! وهذا ما نشاهده يوميا في كل بقاع العالم، بما في ذلك في سوريا، وفي لبنان، وفي العراق، وفي غيرها من الدول. وهذا هو الفهم الصحيح للاسلام، الذي خرج من بيئة بدوية صحراوية بأفكاره، وفلسفته وأحكامه، واسسه والذي لايتناسب مع حياة اليوم، لابل يشكل اعتداءا صارخا على الحقوق الأساسية للانسان. فالمرأة عندنا مثل البهيمة، وفي افضل الأحوال، نتعبد في محرابها لحظة، ونأكلها ، كما نأكل التمر! تصوري حتى الآن نقول عن زوجة اخي، مَرْتْ اخي، ونقول مرت عمي، ومرت خالي، أي انها امرأة اخي، و امرأة عمي، و امرأة خالي، وليست زوجة، ليست شريكة، انها كائن غريب لانعترف بحقوقها ولا نعترف بها! ونفس الشيء نقوله عن بقرة جارنا، وعن كلبة يوسف، ودجاجات احمد، وسيارة مدير المدينة الجامعية! شيء مرعب هذا البلد! حتى يموت الرعب حسدا من رعب بلداننا!
شهقت رنا، وقالت: "ياسمين انت عبقرية! هكذا، نعم، انت مليون محقة"!
فرنا وجدت موضوعا لأحاديثها يفوق البروليتاريا، والصراع الطبقي اهمية وتلذذا!
واما ماري، فقالت: "فعلا انت انسان له من الأراء مايفوق تصوري، ولم اسمع من قبل بها وانت محقة تماما فيما ذهبت اليه، ياياسمين"!
وبقى الجميع للحظات صامتين، بعدها قالت ماري انه حان وقت ذهابها، وقالت ياسمين انها سترافقها الى البيت، وانها ستعود سريعا.
وفي الطريق قالت ماري ان ياسمين محقة، وان العرب الذين يعيشون في فرنسا يقومون بأفظع الأشياء، بدون فهم أسباب قيامهم بها، وقالت انها سوف تطلب من الجامعة تمويل دراستها بالكامل هنا في سوريا لمدة لاتقل عن اربع سنوات، لأنها تريد ان تدرس المجتمعات العربية، بالأحرى الناطقة بالعربية، والمجتمعات الاسلامية عن قرب، لأن ذلك سيفيدها جدا كمستشرقة، وكباحثة لدى عودتها الى فرنسا، خصوصا، وانه في فرنسا يعيش اكثر من سبعة ملايين مسلم، وتريد ان تبقى في سوريا لأنها وجدت المفتاح الحقيقي لفهم كل ذلك، وجدت ياسمين!

موسكو - 2005
المواضيع

الوسوم

دعوة للمشاركة

موقع الأيهم صالح يرحب بالمشاركات والتعليقات ويدعو القراء الراغبين بالمشاركة إلى فتح حساب في الموقع أو تسجيل الدخول إلى حسابهم. المزيد من المعلومات متاح في صفحة المجتمع.