موسم الهجرة من موقع "سيريا نيوز"

الجمل ـ خالد سميسم

في الآونة الأخيرة، لفت انتباه عدد من المتابعين للشأن الاعلامي في سوريا، المغادرات الجماعية للكثير من الصحفيين من موقع "سيريا نيوز" الالكتروني، وهم من الصحفيين الذين ساهموا في تأسيس الموقع وكان لهم دوراً كبيراً في تطوره لاحقا.
ربما يتساءل البعض عن سبب طرح موضوع مغادرة عدد كبير من هؤلاء الصحفيين وجدوى الحديث عن موقع يبدو اليوم بدون ملامح أو هوية ، حيث أصبحت فيه الكتابة متشابهة بعد أن حقق النجاح في أشهر مضت نتيجة الجهد الجماعي للفريق الصحفي الذي يعمل فيه، و ليس نتيجة "جهود" رئيس تحرير الموقع و يده اليمين "معاونته" كما كتب مؤخرا . طبعا هذه "اليد اليمين" ليس لها علاقة لا من قريب ولا من بعيد بالمهنة ولم يسمع بها أحد من قبل.
هذه الأيام ينطبق المثل القائل بدقة على الموقع "ليس كل ما يلمع ذهبا" ، ما نود أن يعرفه الجميع من زملاء في المهنة و متابعين لما كنا ننشره في موقع "سيريا نيو"ز أننا غادرنا المكان بكل ما فيه من تقنيات حديثة، التقنيات التي تبدأ بكاميرات التصوير المعلقة في زوايا الجدران للمراقبة، ولا نعرف أين تنتهي.

 




الترانسفير


نعم لقد قررنا المغادرة رغم كل محاولات التشويه التي تقوم بها الإدارة بحق من يترك العمل، والتشكيك بمهنيته الصحفية، إن ذلك يبدو أفضل من البقاء في موقع يذهب نحو الانهيار، والتوقف عن تحقيق الفائدة الاعلامية للمجتمع، عدا عن كونه صار من الداخل كما لو أنه "فرعا" تابعا لأحد الأجهزة همه التضييق على الصحفيين ومنع نشوء صحافة حقيقة.
التراجع في أداء الموقع بدأ منذ أشهر عدة و السبب الرئيس للتراجع هو غياب روح الفريق و "التشكيك" بأي مبادرة يمكن أن يقوم بها الصحفي حيال الموقع، و قد بدأت القصة من الزميل جورج كدر حيث "طرد" من الموقع و الذريعة التي قالها رئيس التحرير بأن الزميل " يدعي أنه أفهم من رئيس تحريره"، و بعد ذلك عملت الإدارة على محاصرة الصحفيين ، وكتاباتهم وحتى التدخل بعلاقاتهم فيما بينهم. الأمر الذي أوصل بعضنا إلى حالة من الإحباط لا يمكن تخيلها، و خاصة حين دخوله الباب الرئيس للموقع.


أوامر عسكرية


بعد مغادرة الزميل جورج التي تسببت لنا بحزن كبير لما وقع عليه من ظلم تمثل بهضم حقوقه المالية، غادر الموقع أيضا الزميل وسيم ابراهيم حيث كانت الإدارة تصفه بأنه ليس صحفيا، و زميلنا معروف أنه يكتب في صحيفة "السفير" اللبنانية وتلقى كتاباته صدى طيبا، و كذلك بدأ يكتب مؤخرا في "الحياة" اللندنية ، ونحن نقول ان هذا الصحفي الموهوب غادر نتيجة هذا الحصار.
وبعد ذلك و ما بين الفينة و الأخرى أخذت الإتهامات لكل من الزميلين تتصاعد في الموقع، و قد اتخذ قرار من إدارة الموقع و عمم شفهيا على الصحفيين، و بالطبع بحضورنا، بأنه يمنع منعا باتا الإتصال هاتفيا مع الزميل جورج كدر أو حتى اللقاء معه، و أي خرق للأمر "العسكري" فثمة مسؤولية ستترتب على الجميع ..طبعا على مبدأ "لعن الله حامله و شاربه...".
استمرت الإدارة بالضغط و طالبت الجميع بحجم عمل كبير ، وهنا شعرت أن ثمة استهداف شخصي ضدي الى أن قدمت استقالتي بكل هدوء مع قرار داخلي، بعد مشاورة الأصدقاء، بالحفاظ على علاقة طيبة مع الزميل رئيس الموقع وكل من يعمل فيه، بعدما أيقنت أن خروجي سيكون أفضل من بقائي، وحين غادرت كان لي في ذمة الموقع مرتب شهر لم أقبضه على أن أقبضه لاحقا، بسبب "عدم توفر السيولة المالية" حسب الإدارة.


شتائم غير فنية


لكن بعد مضي نحو خمسة عشر يوما، ولأن إدارة الموقع لم تتصل بي، بادرت بسؤالهم عن مصير الراتب، وكان الجواب دائماً.."اتصل خلال اليومين القادمين.." لكن اليومين طالا كثيرا، حتى قاربا الشهر، الى أن قررت الاتصال مع الزميل رئيس الموقع لسؤاله وشرح الظروف الاقتصادية الصعبة التي أمر بها عسى أن يتفهم حقنا وحاجتنا، وبعد المحادثة طلب مني أن أعود للاتصال بعد نصف ساعة، لكن النصف ساعة تحولت لساعات وساعات ولم يعد يرد على الهاتف أبدا، هنا قررت أن أرسل له رسالة أطالبه فيها بالرد و كذلك أخبرته من خلالها أنه إذا لم يكن هناك إمكانية لدفع المرتب فإني على استعداد للتبرع به للموقع. هنا اتصل رئيس التحرير و سمعنا منه بعض الشتائم و أغلق التلفون في وجهنا.
لم تنته القصة هنا، بل أقدمت يده اليمين "معاونته" على الطلب من الزميلتين ماريا شحادة و راما الجرمقاني المغادرة وترك الموقع "كونهم عملاء" لي حسب ما فهمت لاحقا، و أعلن رئيس التحرير حالة الاستنفار طالبا من ما تبقى من طلبة متدربين عنده (لم يعد هناك في الموقع صحفيين) الحذر من "مؤامرة "يتعرض لها الموقع. طبعا لأني طالبت بالمرتب.
وفيما لو تابعنا قصة أي صحفي عمل في هذا الموقع وغادر لاحقا سنعرف أنه أصبح "ملعونا" حسب رأي إدارة الموقع ، مثل ما حصل مع الزميل شوكت أبو فخر، و كذلك كل من الزميلين تميم و غزوان من وكالة "سانا"، وأيضا مع جورج كدر ولينا العبد ووسيم إبراهيم وغيرهم.
اليوم باستطاعتنا أن نرفع دعوى في القضاء السوري نطالب فيها إدارة الموقع بالتعويض و لكننا حقا أحببنا الموقع و كنا من المؤسسين، إضافة إلى حرصنا على استمراره و أن يتراجع التقهقر فيه، لذلك، وبسبب هذا الحرص نفضل التبرع أنا و زميلي جورج كدر برواتبنا المتبقية حرصا على استمراره أو كهدية رمزية تساعد على تدريب طلاب الصحافة في الموقع.
ربما يبدو للبعض أن ثمة ما هو شخصي في المسألة، لكن الحقيقة غير ذلك، لأن هناك الكثير من الوقائع المعاشة داخل الموقع ، تشير إلى ما هو غير مؤسسي وغير مهني يفرض نفسه على العمل ويترك آثارا سلبية على نفسية عموم المشتغلين فيه. وعلى سبيل المثال، فإن أكبر معاناة للصحفي داخل هذا الموقع تمثلت في لا مهنية القائمين عليه، فهم أتوا الى المهنة من خارجها، ولا يعرفون شيئاً عن تقاليد الصحافة.


اليد اليمنى غير اليسرى


ضمن هذه الأجواء كان من غير المسموح للصحفي أن يطرق باب رئيس الموقع إلا عن طريق السكرتيرة، حتى لو كان هناك أمر عاجل يتعلق بخبر عاجل، ولا يمكن مراجعته فيما لو كان جالسا أو "يعقد اجتماعا" مع يده اليمنى، التي وصفت بعضنا بالحمير فقط لأنه قال ان الهمزة تأتي مكسورة بعد القول، بينما هي رأت فيه حمارا لأنها تعتقد أن الهمزة تأتي مفتوحة بعد القول..!!! مخالفة بذلك كل القواعد اللغوية.
عدا عن ذلك ونتيجة للامهنية الإدارة، ربما تبقى المادة الصحفية يومين أو ثلاثة منسية بسبب عدم تمكن أحد في إدارة الموقع من قراءتها. ومهما حاول الصحفي استعجالهم، فإن الجواب يكون ..انتظر حتى نقرأ الموضوع.
رغم كل هذه التفاصيل على أهميتها هل يصدق أحد أن المستوى بلغ درجة أن "اليد اليمنى" طلبت من الصحفيين والعاملين في الموقع عدم أكل "المسبحة" والمخللات في مطبخ الموقع لأن ذلك يعتبر "منظرا غير حضاري".؟؟ طبعا هذه "اليد اليمنى" أيضا أصدرت قرارا يمنع تجمع الصحفيين على الشرفة أو في أي مكان في الموقع، بكل تأكيد كانت تستلهم في ذلك شيئا من روح قانون الطوارئ والأحكام العرفية وكأن البلد ناقصه.


تنصت وشكوك


ما نريد قوله أن كل من غادر الموقع يصفونه بأي وصف سيء و كل ذلك يصل إلى الصحفيين لاحقا، و لا نعتقد أن أي مؤسسة تحترم ذاتها و تحرص على استمرارها أن تصف الصحفيين و تحديدا من يعملون فيها بصفات غير أخلاقية، و بالتالي نقول أنه لن يتوقف التقهقر و التراجع الذي حصل و يحصل في موقع سيريا نيوز إلا باحترام المهنة واحترام روح عمل الفريق و عدم الاساءة للصحفيين،و عدم التنصت عليهم و على أحاديثهم عبر الكاميرات المزروعة في كل مكان، وقبل كل هذا عبر إعطائهم حقوقهم المالية غير منقوصة، و من غير ذلك فإن الأمور ليست بخير و موقع "سيريا نيوز" ذاهب إلى شيء يشبه أي شيء إلا العمل الصحفي.

http://www.aljaml.com/node/10011