الصمـت والعزلـة يلفـان الشبكـة العنكبوتيـة فـي سـوريا

تشبه الحياة الافتراضية الالكترونية للسوريين حياتهم الواقعية؛ إنها نوع من العزلة والصمت والعيش على الهامش. وإذا كان شركاؤهم في العالم ماضين في وضع وترتيب حياتهم على شبكة الانترنت، فإن السوريين ما زالوا يرضخون تحت قانون الصمت، حسب وصف أحد متابعي حركة حجب المواقع السورية، أو غير السورية، وطرائقها على الانترنت، وإن قلة من بينهم، وهم نخبة العارفين بتقنيات الاتصالات، يقضون في مطاردات الكترونية مع الحكومة لابتكار طريقة في الوصول إلى موقع محجوب، أو نشر مدونة، أو حتى الوصول إلى بريدهم الالكتروني. لا يستطيع المستخدم السوري أن يركن إلى موقع أو عنوان؛ فكلما ألِف موقعاً ووضعه على مفضّلته لا يلبث أن يختفي، في تكرار لن يوصل إلا إلى اليأس والضجر. هكذا اختفى العديد من المواقع التي أنشئت بجهود فردية ومتواضعة شكلت ملاذاً لمختلف أصوات السوريين، ومن بين أبرزها موقع «سيريا ميرور» الذي فضّل مديروه توقيفه بعد استدعاءات أمنيّة محبطة. غير أن العام 2006 شهد أقسى عمليات حجب تعرضت لها الانترنت السورية، فمن بين تلك التي تنشر من داخل سوريا اختفى موقع «الرأي»، وحجب موقع «شام برس» لأيام عاد بعدها بأجنحة مقصوصة (اختفت مثلاً تعليقات القراء من على صفحاته)، رغم ما يعرف عنه بأنه موقع مقرب من السلطات، ومن ثم موقع «سيريا نيوز» على ضوء مقال كتبه مديره نضال معلوف تحت عنوان «مواطن سوري بق البحصة فماذا قال؟» وقد استدعي معلوف واعتُبر مقاله تجاوزاً للخطوط الحمر، ليعود الموقع إلى العمل بعد أيام، الأمر الذي لم يتح لزميله «سيريا فيو» الذي حجب نهائياً على ضوء مقال لمديره مازن درويش حول «إعلان بيروت ـ دمشق». أما عن المواقع غير السورية فكثير منها محجوب عن السوريين، من «الحوار المتمدن» المقروء من قبل شريحة واسعة من المثقفين السوريين، إلى مواقع لصحف معروفة كـ«القدس العربي» وصحيفة «المستقبل» اللبنانية التي كانت تباع في الأسواق السورية منذ صدورها، إلى «الشرق الأوسط» الصحيفة السعودية التي منعت أثناء العدوان الإسرائيلي الأخير على لبنان ورقياً كما على الانترنت، وهي قد عادت إلى التوزيع الورقي في الأسواق فيما نسيت بيروقراطية الرقيب أن تعيدها على شبكة الانترنت. لكن الأكثر خطورة اليوم من حجب مواقع الصحف البارزة هو حجب المدونات، التي يرى الأيهم صالح، الاستشاريّ في تقنيات المعلومات وأحد المحررين السابقين في «سيريا نيوز»، في منعها كارثة معرفية حقيقية، لأن «في المدونات محتوى أصيل وفريد هو الجزء الأكبر من المحتوى الثقافي والمفيد في الانترنت». ويضيف صالح: «إنهم يمنعون الناس من الوصول إلى ملايين المدونات الموجودة مثلاً على موقع blagspot والتي كانت تؤمن تواصلاً حقيقياً بين السوريين في الداخل والخارج». ويمضي صالح في وصف أهمية المدونات بالقول: «إنها تعني أن كل إنسان سيمتلك قناته الإخبارية الخاصة بالصوت والصورة».

 

وبالنسبة لمتابع كالأيهم صالح، لا تأتي مسألة الحجب والتعطيل بالمصادفة، فهو يشير إلى ما تتضمنه الخطة الحكومية الخمسية العاشرة في فصل مخصص للإعلام تحت عنوان «العوائق والمخاطر» وفيه «أهم وأخطر ما نواجهه هو ما يسمى بالعولمة الإعلامية كأحد مظاهر النظام العالمي الجديد والتي دعت إليها وسائل الإعلام باستمرار.. (ومن بينها) الشبكة العنكبوتية، الانترنت التي تبث من دون حسيب أو رقيب»!. لا أحد بالطبع سيعرف من هي الجهة التي تصدر القرار بالحجب، حيث الأوامر تصل تباعاً إلى وزارة الاتصالات، وربما لا أحد يريد أن يصرّح بذلك، ففي اتصال مع إباء عويشق، مدير مشروع الانترنت في الوزارة، قال: «لست صاحب قرار، ولا مخولاً بالتصريح». ويلفت البعض إلى أن في حجب بعض المواقع كـ«إيلاف»، عبر مزود الخدمة الرسمي، وإتاحته عبر مزود خاص نوعاً من تواطؤ مع بعض المؤسسات الخاصة لتشجيع مستخدميها. ويشير أنس هلالي، الخبير بشؤون الانترنت، إلى نوع آخر من الحجب يفرض علينا من الخارج بسبب إساءة استخدام التقنيات ما يرى فيه الآخرون على الشبكة نوعاً من التخريب (وهو ليس متأكداً إن كان الأمر مقصوداً منّا أم لا)، الأمر الذي حدث مع الموسوعة الويكيبيديا التي حرمت السوريين مؤخراً من إمكانية تحرير موادهم المرسلة إلى الموسوعة. لا شك أن ذلك كله من شأنه أن يضر بصناعة إعلام سوري عبر الانترنت، كما يقول صالح، ويتوقع أن تتراجع المشاريع والمبادرات الفردية وينمو الإعلام الرسمي الالكتروني، كما سيتراجع هامش الحرية، فينتقل المجتمع السوري من المدونات (تقنية حديثة) إلى المنتديات (تقنية قديمة). أما نضال معلوف فيرى أن في وجود قانون ناظم للنشر الالكتروني حلاً مناسباً، بحيث لا يضطر الناشر إلى التجاوز ولا الحكومة إلى الحجب. ولكنه يؤكد في المقابل أن من عليه أن يضع القانون ينبغي أن يستشير أصحاب الشأن من اختصاصيي النشر الالكتروني. الكل يعرف أنه، في النهاية، لن تقف حدود أمام النشر الالكتروني، وليس الحجب والمنع والرقابة سوى تأخير لحراك اجتماعي واقتصادي وثقافي متأخر في الأساس، ولكن علينا أن نتذكر سذاجة الحرب التي شنت على المطبعة التي وصلت إلى حد تحريمها لخشية من تحريف القرآن، وكانت النتيجة أن تأخرتْ في الوصول إلينا حوالى مئتين وخمسين عاماَ. راشد عيسى، السفير

ملاحظة من شام برس : مع الاحترام لما كتبه الزميل راشد عيسى في صحيفة السفير لابد من الاشارة الى انه تم ايقاف التعليقات على مقالات شام برس مؤقتا بقرار من ادارة الموقع لاسباب تتعلق بخلل في البرنامج سمح لبعض العابثين باختراق الموقع اكثر من مرة وقد اشرنا الى ذلك في حينه .. ومع ذلك فان ترتيبات العودة الى فتح باب التعليقات انجزت بعد جهد مميز من الزملاء في سيريا نوبلزالجهة الفنية المشرفة على عمل الموقع وسيتم فتح باب التعليقات خلال فترة قصيرة