رسالة من كردي إلى اخوانه العرب

بسم الله الرحمن الرحيم
إخواني العرب .. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ..
أعرفكم في البداية على نفسي وأقول إني محام كردي من مدينة القامشلي و إني أعتز أيما اعتزاز بسورية التي أحبها وأعشقها .. أجعل هذه الكلمات مقدمة لرسالتي لكم التي أكتبها في وقت عصيب تمر به مدينتنا وسائر مدن محافظة الحسكة وفي وقت تكاد فيه لغة العنف تحل محل لغة العقل وفي وقت تنجر فيه النفوس إلى اتباع الهوى والعصبية بدلاً من أن تحتكم إلى المنطق والحقيقة .. دعوني أولاً أحدثكم عن تفاصيل ما جرى ظهيرة يوم الجمعة السوداء على هامش اللقاء الكروي بين ناديي الفتوة والجهاد .. إن الجميع يعلم أن الاحتقانات لا تزال موجودة لدى الكثير من إخواننا العرب جراء ما حدث في العراق الشقيق وهؤلاء يحملون في داخلهم الكثير من إشارات الاستفهام تجاه موقف أكراد العراق مما جرى من تدخل أمريكي وسقوط نظام الحكم .. ورغم أننا لسنا بصدد الحديث عن العراق لكن لا بد من إيراد ملاحظة مهمة نبني عليها تفسيرنا لما وقع عندنا .. إن الأكراد في العراق تعاونوا مع الأمريكان مثلهم مثل الكثير من عرب العراق من سنة وشيعة ومثلهم مثل الكثير من الدول العربية التي تنام في حضن أمريكا و تقيم علاقات دبلوماسية كاملة مع الكيان الصهيوني أو تقيم معها علاقات سرية .. هذا أولاً أما ثانياً فماذا كنا نتوقع من الأكراد ؟ هل كنا نتوقع أن يجابهوا الأمريكان فيما دول الخليج وغيرها تفتح مجالها الجوي وقواعدها الأرضية أمام الطائرات الأمريكية ؟ هل كنا نتوقع أن يفعلوا ذلك وهم بين خيارين أحلاهما مر الخيار الخطير في انفتاح الجبهة مع الأتراك أو دفع ضريبة رفض التعاون مع المارد الأمريكي الأخرق والخيار الآخر هو المشاركة مع سائر قوى المعارضة العراقية في دعم التوجهات الأمريكية ؟ أترك الجواب لكم بلغة العقل والمنطق والسياسة لا بلغة العواطف .. أترك لكم الجواب وتذكروا مواقف العرب من الشيعة والسنة وبعض دول الجوار .. إن الأكراد بطبعهم معادون للأمريكان ويكرهون الصهاينة لكنهم لم يجدوا بداً من الدخول تحت المظلة الأمريكية أيها الأخوة لذلك فنسيان التواطؤ العربي مع الأمريكان والطلب من الأكراد أن يكونوا ملكيين أكثر من الملك أمر لا يستوي مع العقل والمنطق .. إذاً فلنتفق أن هذا الأمر أي تعاون الكرد العراقيين مع أمريكا وحلفائها العرب في العراق هو الذي زرع الاحتقانات في قلوب بعض الأخوة العرب ..

 

هذا الاحتقان ظهر واضحاً لدى بعض الأخوة في محافظة دير الزور الذين جاؤوا إلى القامشلي ليتابعوا مباراة الفتوة والجهاد فكانوا يهتفون بحياة صدام حسين الرئيس العراقي السابق في إشارات استفزازية يقصد منها تجريح الأكراد ومع ذلك يشهد الله أن أحداً من أبناء القامشلي لم يتعرض لهم أو يشتمهم أو يؤذي مشاعرهم وتوقف الأمر عند هذا الحد حتى بدأت المشكلة التي ولدت الانفجار وهو قيام جمهور الفتوة بشتم مدينة القامشلي ولأنهم كانوا قد أدخلوا معهم كميات كبيرة من الحجارة في أكياس أو ترامس المياه والشاي وفق شهود عيان من زملائي المحامين العرب وليس الأكراد وفي غفلة عن التفتيش المعتاد الذي يقوم به رجال الشرطة باعتبار أنهم دخلوا الملعب قبل حضور رجال حفظ النظام وجلسوا في غير المكان المخصص لهم عنوة فقد قذفوا الحجارة التي جلبوها على جمهور الجهاد ( وهو على عكس ما يظنه الكثيرون لا يضم فقط الأكراد بل بينهم العرب والمسيحيون على اختلاف مذاهبهم وقومياتهم ) واندفعوا يضربون من يلقون في طريقهم بالأخشاب التي يلفون عليها أعلامهم ولا فتاتهم فيما كان جمهور الجهاد المسكين يهرب فحدث تدافع قوي أدى إلى إصابة الكثيرين جراء الدهس أو الحجارة التي أصابت معظم أجزاء أجسادهم وتم نقل البعض إلى المشفى وسرت الشائعات بأن هناك وفيات فهاج جمهور القامشلي واعتدى بعنف على الديرية .. وحدثت بعض الانفراجات لكن إذاعة نبأ وفاة ثلاثة أطفال في ذلك التدافع عبر برنامج ملاعبنا الخضراء هيج المدينة بالكامل وحدثت انفعالات عديدة لكنها كلها اقتصرت على رمي الحجارة وضرب جماهير الدير وللأسف الشديد اعتبر الأكراد من بين جمهور الجهاد أن ما حصل موجه لهم بالذات فصاروا يهتفون بحياة كردستان بينما كان البعض من الطرف الآخر يوجه الشتائم المقززة بحق الأكراد بل وسمعت أحدهم يقول أمامي وأمام بعض إخواني العرب الذين وقفوا معي في أعلى منصة ملعب القامشلي : الحق على صدام حسين ما خلصنا منهم كلهم أولاد الكلب ‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍!! فبلعناها وطالبنا بالهدوء .. والأمر كله في النهاية لم يكن ليتعدى الهتافات المسيئة والضرب بالحجارة من مسافات بعيدة لولا حضور المحافظ الذي أمر بإطلاق النار على المشاغبين فوقع بعض القتلى وجرح الكثيرون .. هنا هل نتوقع ممن يرى الشرطة وهي تطلق الرصاص أن يكون راشداً وعاقلاً ؟ بالتأكيد لقد كان قرار إطلاق النار خطأً فادحاً جداً أدى إلى الشحن بدلاً من التهدئة .. وترافق مع هذا الأمر مقولة انتشرت سريعاً تقول أن المحافظ وجه عناصره بإطلاق النار على أولاد الشرموطة الأكراد الذين يطالبون بالفيدرالية ؟؟؟؟ وهو كلام منتشر الآن في أوساط القامشلي .. هذه المقولة التي لا نعلم إن كانت صحيحة أولا أثرت كثيراً على المجريات ولولا ذلك لبقي الموضوع في إطاره الرياضي مثله مثل أي شغب حصل مع جمهور الفتوة في كل مباراة لعبها هذا الموسم .. لكن الأمور تطورت فتشتت الناس وبينهم وكما نعلم كلنا الكثير من المراهقين والزعران ( لأن هذه طبيعة غالبة على جمهورنا الرياضي الذي يحضر في معظم الملاعب للأسف) .. هؤلاء المراهقين عاثوا فساداً بعدها فصاروا يعتدون على بعض العرب وحطموا الكثير من الدوائر الحكومية التي صادفوها في طريقهم .. وطوال الليل كان الناس مشغولين بالحديث عن القتلى وعن الفتنة التي بدأها للأسف قلة من أبناء دير الزور العزيزة بقصد أو بدون قصد .. في الصباح تسلم الناس جثث أبنائهم فخرجت مسيرة ضخمة تشيع الموتى وكانت توجيهات القيادات الكردية هي تجنب الأعمال الضارة وعدم الاصطدام مع أحد وهذا ما تم بالفعل معظم الوقت باستثناء بعض الخروقات مثل إطلاق هتافات متطرفة لا تتوافق مع مطالب الأكراد ومثل حرق العلم السوري الذي نتشرف جميعاً بالانضواء تحت لوائه ومثل محاولة الاعتداء على تمثال للرئيس الراحل حافظ الأسد في الساحة الرئيسية بالمدينة لكن تدخل العقلاء من الأكراد منع هؤلاء من تنفيذ ذلك والشهادة لله أن القوات الحكومية حافظت على رباطة جأشها ولم تنفعل وتركت الناس على راحتها .. وسارت الأمور طبيعية حتى دائرة الجمارك حيث طحش بعض المتهورين والموتورين من المراهقين يحاولون حرق الدائرة فردت قوى الشرطة الموجودة بإطلاق النار وسقط المزيد من القتلى .. وهدأت بعدها الأمور في المدينة حتى لحظة كتابتي لهذه الرسالة ..
هذا ما جرى أيها الأخوة في القامشلي .. وأنا كشاهد عيان على كل ما جرى وكمواطن سوري ينتمي للقومية الكردية أقول :
1. إن معظم الشعب الكردي في سورية يستنكر أعمال التخريب التي مارسها الغوغاء الذين لا أتشرف بانتمائهم إلى القومية التي ينتمي إليها صلاح الدين الأيوبي ..
2. إن معظم السوريين الشرفاء يرفضون ما فعلته الشرطة حين أطلقت النار على الناس مهما كان حجم خطئهم لأنهم يبقون أبناء الوطن ومن الواجب التعامل معهم بحكمة لا بتهور ..
3. محاولة تصوير الموضوع على أنه خلاف عرقي بين الأكراد والعرب أمر مرفوض حتى أن العشائر العربية في المنطقة رفضت الانجراف وراء ذلك مثلها مثل الأحزاب الكردية التي نشرت أكثر من بيان تؤكد فيه على الأخوة العربية الكردية .
4. قيام فئة متهورة وغير واعية من الأكراد بجعل القصة تبدو وكأنها دعوة لتقسيم سورية أو الانفصال عنها تصرف مرفوض ومنبوذ ولا يتوافق مطلقاً مع مطالب الأكراد الواضحة في النظام الداخلي لكل الأحزاب ( وسأفصل ذلك في موضوع لاحق بإذن الله ) .. ونحن نستنكر ما قام به البعض من الأكراد من السوريين أو غير السوريين حين هاجموا السفارات ورفعوا الأعلام الكردية مكان علم الوطن .
هذا ما جرى وهذا رأيي ورأي كل السوريين الأكراد المخلصين لسورية والذين كانوا على الدوام وطنيين مخلصين في مقدمة المدافعين عن سورية ويكفي أن أذكر هنا بأن مدينة عامودة الكردية هي المدينة السورية الوحيدة إلى جانب العاصمة دمشق التي تعرضت لقصف بالطائرات من قبل جيش الاحتلال الفرنسي ..
وإذا كان ما جرى في القامشلي من تخريب هو أمر مرفوض وجريمة كبرى مثلها مثل ما حدث في سائر المدن فإن كل ذلك يجب أن لا يعمي الأبصار عن حقيقة أن بعض الأخوة العرب في مدينتي الحسكة ورأس العين قد تطرفوا في رد فعلهم وصاروا يستعملون الأسلحة في مواجهة الأكراد وبادروا أيضاً للاعتداء على الأسر الآمنة ونهبوا بعض المحلات وكل ذلك وفق مصادر معلوماتي وهي مصادر عربية وليست كردية ومع الأسف لم يتحدث أي إعلامي عربي عن الحوادث المؤسفة التي قام بها بعض العرب وهي حوادث مقرفة ومقززة لا تقل بشاعة وقرفاً عن الأعمال الإجرامية التي قام بها بعض المنتمين إلى الأكراد نسباً لا خلقاً ..
والآن أيها الأخوة العرب من رواد هذا الموقع أقول لكم أننا كأكراد شعب مسالم وبقينا في سورية نعيش في ظل كل عهود الحكم السابقة نمارس حقنا في التعبير عن مشاكلنا ومطالبنا بالطرق السلمية .. ومطالبنا معروفة وهي منح الجنسية العربية السورية لحوالي مائتي ألف كردي يعيشون في سورية ومحرومين من جنسيتها وهم ليسوا أبداً وافدين إلى سورية ب هم سكان أصلاء يعيشون فيها منذ مئات بل وآلاف السنين وهم موجودون في سورية قبل الكثير من القوميات التي تعيش فيها الآن وتتوفر لها متطلبات المواطنة الكاملة .. كما أن من يدعي بأنهم قادمون من تركيا واهمون وإذا افترضنا أن كلامهم صحيح فإن المناطق التي جاؤوا منها هي من ضمن المناطق التي قرأنا في كتب التاريخ المدرسية أنها أراض سورية محتلة من قبل تركية أي أن هؤلاء الأكراد مواطنون سوريون انتقلوا من مناطق سورية محتلة إلى مناطق سورية مستقلة فهل هكذا نعامل أبناء سورية المنكوبون بالاحتلال التركي ؟؟
كذلك فإن الأكراد السوريون يطالبون بمعاملتهم كأي مواطن سوري عربي لهم نفس الحقوق ونفس الواجبات ويطالبون بالسماح لهم بالتحدث بلغتهم القومية وبفتح مدارس تدرس باللغة الكردية على غرار المدارس التي تدرس باللغة السريانية واللغة الأرمنية واللغة الآشورية والمسموح بها في سورية .. فهل هذه المطالب تعجيزية أم هي مطالب تتلاءم مع أبسط حقوق الإنسان وتتلاءم مع الشرائع السماوية ؟
إننا نعتذر لأخواننا العرب عما ارتكبه بعض الغوغاء الأكراد ونعلن تمسكنا بالعيش المشترك بنفس القدر الذي نتمسك فيه بمطالبنا الإنسانية الحقة ..
ونتمنى من كل أخ عربي سوري أن يسعى للمشاركة بوأد الفتنة وإطفاء نارها وذلك بالابتعاد عن الكلمات التي تسيء إلى أحفاد صلاح الدين وليعلموا أنه يوجد بين الأكراد قلة جانحة عن الصواب مثلما يوجد بين العرب أنفسهم قلة جانحة عن الصواب .. وليدرك الجميع أن بلادنا بحاجة إلى جهود كل مواطن صالح للتطوير ونشر الديموقراطية والرفاهية ..
أختم فأقول : فليحفظ الله سورية لأبنائها ولينعم على شعبها بالأمان والمحبة ..
وتقبلوا تحياتي والشكر لمن تحمل قراءة رسالتي الطويلة نوعاً ما
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

لا بد أن نتفق أن هناك من يستغل نقاط ضعفنا ضدنا ويريد جرجرتنا إلى حروب أهلية تضر بالأكرد والعرب في آن واحد، فالمنتصر إن وجد مغلوب! نعم الحروب الأهلية أقذر أنواع الحروب، ليس فيها لا جينيف، ولا وساطات، ولا إية أعراف، نعم هذه هي، ومن لا يصدق فلينظر إلى لبنان، لينظر إلى يوغوسلافيا، وسواها وسواها. أنظروا لإلى الرابح (إن كان يوجد) وهل تعرفون؟ نحن خسرنا في حرب لبنان الأهلية مثل ما خسروا! إن التعامل مع المشاكل الإجتماعية بحكمة هو مسؤولية الحكومة، مع أن موقفهاا لا تحسد عليه في هذه الحال إذ يجب عليها أن تتحلى بالصبر، وتستعمل مبضع الجراح وبمنهى الدقة، لا الهراوة تجدي، ولا حتى الطائرات... أعتقد أن كل من سولت له يداه أن تستغل الإضطرابات لتصفية حساباتها الشخصية، أو خدمة مصالح خارجية فهو خائن قذر كما أعتقد أن كل مسؤول لم يستطع ضبط أعصابه وأطلق العنان لعصبيته بدلا من الارتقاء بمنصبه المسؤول بدبلوماسية وتعقل لا يستحق الكرسي الذي جلس عليه. على الدولة أن تضرب بيد من حديد على هؤلاء وهؤلاء قبل أن يأتي يوم فتقول: سبق السيف العذل!